الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الصيام والنظام.. دعوة إلى الاعتدال

2016/07/03 | الکاتب : عمار كاظم


رمضان فريضة محكمة، حباها الله بالفضل والفضائل، ورفع بها قدر الصائم الذي أخلص صومه طاعة لربه، فهو ذلك الإنسان المسلم الذي نزل على حكم ربه، فما إن شهد الشهر رمضان حتى عقد نيته على الاستجابة للنداء: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة/ 185)، إذعاناً لهذا الأمر الذي تنزل في القرآن مؤمناً بالعبودية لله، منفذاً حكمه غير متسائل عن حكمة أو علة، خضوعاً، وخشوعاً، غير مجادل، ولا محاور، حجب النفس الأمارة بالسوء عن القيل والقال، وكثرة السؤال، في مضاء عزيمة، ونقاء سريرة، مقبلاً على الطاعة، غير مدبر، ولا متهاون ولا مختلق للأعذار؛ لأنّه يعلم أن ربه يسمع ويرى. ذلك هو المسلم الذي انصاع للأمر، فصام غير متسائل عن قدر الأجر، وإنما ملتحف بالصبر، ناءٍ عن الوزر، يلتمس قبول التوبة والمغفرة، وهو في قرارة نفسه يؤمن بأن شرع الله قادر على إصلاحه وتنظيم أمور حياته، في معاشه ومعاده. ثمّ انبرى ينصح الضالين الذي ألفوا اللغو والجدل، وإن كان ولابدّ من فلسفة العبادات، فإنّ الصوم رياضة بدنية ونفسية، تجمع بين حرمان النفس من لذاتها المادية بقصد تربيتها، وبين إمتاعها بقوة الروح، بملء القلب من خشية الله، وتفريغ الجسد من بواعث الجشع والطمع، وتعويده القناعة والرضا بالقليل المفيد توسلاً إلى شكر الله المنعم، وتكفيراً عما يكون قد سلف من سوء الأداء بما يعد كفراناً لنعم الله التي لا تحصى على الإنسان، حتى يتوصل المسلم الصائم حقّاً، العارف لحقيقة الصوم وحقوقه، إلى تزكية النفس بالصوم، وإصلاح البدن بالتدريب على الاعتدال في المأكل والمشرب وسائر الرغبات التي تطغى وتفسد، ولا تكون هذه التزكية.. إلا إذا ووجهت النفس بإرادة حازمة، تلزمها الانتظار على النظام، وإيقافها عند حد الاعتدال، والبعد بها عن التفريط والإفراط وذلك ما قرره القرآن لصالح بني الإنسان ففي سورة الأعراف: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف/ 31-33). إنّ الصوم يواجه قضية الإسراف، بل والإتلاف بحزم وعزم، ذلك أنّ الله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، يعلم حال هذا الإنسان الذي جعله خليفة في الأرض، فشرع له ما يواجه به نوازع نفسه، ومسالك هواه التي إن اتبعها واستغرق فيها أردته وأهلكته، وقد ربط الله صلاح النفس والجسد برباط وثيق فسخر للإنسان جميع ما في عالمه الذي يعيش فيه من المواد والقوى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا في الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) (الجاثية/ 13)، صحة وسلامة لبدنه، تمتد صحة لنفسه وعقله، وحرم عليه ما يضر بجسده، كما حرم عليه ما يودي بروحه وعقله، وكان من هذه المحرمات الإسراف: الإسراف في الطعام والشراب، الإسراف حتى في العبادة؛ فقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أصحابه عن الوصال في الصوم، باعتبار أنّ الإسلام دين الوسطية والاعتدال حتى في العبادة، وفي تناول الحلال، ونعى على المسرفين والمبذرين ما اقترفوا في حق أنفسهم، كما نعى على المقترين الذين غلوا أيديهم واحتسبوا أموالهم فقال في سورة الإسراء: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) (الإسراء/ 29). فمن أسرف فقد أفسد، ومن قتر فقد أفسد، ومن توسط فقد صلح وأصلح. ثمّ إن قضية الإسراف تمتد إلى جوانب كثيرة في حياتنا، فليست ممثلة في الطعام والشراب الذي جاء الصوم ليعيد التوازن في شأنهما وليلزم بالنظام الأمثل فحسب، وإنما ينبغي أن يمتد هذا التوازن إلى كل ما في أيدينا مما أنعم الله به من نعم ظاهرة وباطنة، فهذا الماء نسيء استعماله، ولا نحسن ادخاره، مع أنّه حياة كلّ شيء: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (الأنبياء/ 30). إنّ الصوم دعوة إلى الاعتدال في كلّ شيء، في ملء البطون، في الماء، في الجدل والمراء، إنّه دعوة إلى تهذيب النفس وإصلاح المنطق، فإن آفة اللسان أبعد أثراً من جراحات السنان، إنّه دعوة إلى تطهير العالم الإسلامي من الرذائل الجسدية والنفسية، ودعوة إلى الأخذ بمعاني الصبر والثبات والمواساة والإحسان، وحفظ اللسان حتى تتحقق بصدق في المجتمع معاني الإخاء والمساواة والحرية. إنّ الصوم تأبى طبيعته وخواصه في الإسلام أن يكون مجرد جوع وعطش؛ إذ ليس لله حاجة في ذلك وإنما هو تهذيب وإصلاح، وتوجيه وتدريب، وتحجيم للسوء والسيئات، إنّه اتقاء أضرار لجلب منافع، واتقاء الرذائل لجلب الفضائل، إنّه تشريع اجتماعي للإنسانية تتقي به سوء وشرور الأنفس: (إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف/ 53.(
فلنكف عن كلّ ما يثلم الصوم ويفسده، ولنعتدل في كلّ شيء في الطعام والشراب. إنّ الصوم قانون ونظام عام، يضبط العمل والتعامل، يجلب الفضائل ويحمي من الرذائل ويقي مصارع السوء، ويحمي النفس والبدن، فاحفظوا النظام والتزموه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/ 183).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 114
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الأبعاد التربوية لشهر رمضان المبارك
 شهرُ الصيام
 الرحمة والتراحم في خطبة النبيّ محمّد (ص)
 التثقّف بالقرآن في الشهر الكريم
 عطايا الشهر الفضيل
 شهر رمضان.. تربة صالحة لنمو الفضائل
 حكَم الصيام وآثاره
 الخشوع الصادق في الصلاة
 معنى الجهاد في الصوم
 الحكمة من فريضة الصوم

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا