الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
صيامٌ وقيام

2016/07/04 | الکاتب : عمار كاظم


عشنا في صلوات شهر رمضان فيما أعطانا الله وفيما فرضه علينا وفيما استحبه لنا في الليل والنهار. ولذلك كان شهر رمضان شهر الصيام والقيام، فأنت تدعو ربك لتذكره فتتحدث معه، أعنّا على صيامه وقيامه لأنّ الصيام إذا لم ينفتح على القيام قد يكون مجرد حالة سلبية في داخل ذاتك لا تعطيك شيئاً. ثمّ تنطلق الجولة الواسعة الغنية بكلّ الفكر وبكلّ الروح وبكلّ الحياة وبكلّ المشاعر والأحاسيس والعواطف وبكلّ الخطوط وبكلّ المبادئ في أدعية شهر رمضان، هذه الثروة الفكرية الروحية الحركية التي إذا تعمّقت فيها رأيت أنّ الدعاء يمثل حركة ثقافية تمونك بكلّ تفاصيل العقيدة وبكلّ امتدادات الحركة في الحياة وتمونك بأن تفهم داخلية نفسك هل أنت تطيع ربك أو تعصيه. فعلى أي أساس تقوم الطاعة وعلى أي أساس تبنى المعصية؟ هذا هو السؤال. وهكذا نجد أنّ الإنسان العاصي في حياته يحاول من خلال الدعاء في شهر رمضان أن يعلن أنّ معصيته لا تعني الابتعاد عن إيمانه وأنّ معصيته لا تعني التمرد على ربه، وأنّ معصيته لا تعني الاستهانة بربه وإنما تعني حالة من خطرات النفس حالة طارئة من خلال ما يحدث للإنسان "إلهي لم أعصك حين عصيتك وأنا بربوبيتك جاحد ولا بأمرك مستخف ولا لعقوبتك متعرّض ولا لوعيدك متهاون ولكن خطيئة عرضت" – ليس لها عمق في النفس، لأنّ عمق النفس هو الإيمان والإيمان لا يسمح للإنسان في كلّ جذوره في الذات أن يتكبّر على ربّه أو أن يبتعد عن طاعته "ولكن خطيئة عرضت وسوّلت لي نفسي" – والنفس أمّارة بالسوء – "وغلبني هواي" والهوى يصدّ الإنسان عن الحقّ "وأعانني عليها شقوتي" هذه العناصر الداخلية التي قد تجعل الإنسان شقياً من خلال كلّ هذه التراكمات التي تزحف إلى عقله وقلبه وحياته. نرى في الأدعية في المعنى الذي يجعل الإنسان يتدلل على ربه بحيث يشعر كما لو كان طفلاً يلعب بين يديه ويتدلل عليه "اللّهمّ إنّ عفوك عن ذنبي وتجاوزك عن خطيئتي وصفحك عن ظلمي وسترك على قبيح عملي وحلمك عن كثير جرمي عندما كان من خطأي وعمدي أطمعني في أن أسألك مالا استوجبه منك الذي رزقتني من رحمتك وأريتني من قدرتك وعرّفتني من إجابتك فصرت أدعوك آمناً" – كما لو كنت لا أعيش أي أساس للخوف – "وأسألك مستأنساً لا خائفاً ولا وجلاً، مدلاً عليك فيما قصدت فيه إليك، فإن أبطأ عني عتبت بجهلي عليك، ولعل الذي أبطأ عني هو خير لي لعلمك بعاقبة الأمور". وهكذا ينطلق الإنسان ليستحضر في نفسه كلّ فيوضات ربّه في حياته الداخلية الخارجية وفي الناس من حوله. تصور إنك في دعاء صغير واحد تختصر كلّ ما يعيشه الناس من مشاكل وآلام وأوضاع سلبية حتى إنك تفكر في الراقدين في القبور لتطلب من الله أن يعطيهم الفرح "اللّهمّ أدخل على أهل القبور السرور، اللّهمّ إغن كلّ فقير، اللّهمّ اشبع كلّ جائع، اللّهمّ اكسُ كلّ عريان، اللّهمّ اقض دين كلَّ مدين، اللّهمّ فرّج عن كلّ مكروب، اللّهمّ ردّ كلّ غريب، اللّهمّ فكَّ كلَّ أسير، اللّهمّ أصلح كلّ فاسد من أمور المسلمين، اللّهمّ أشف كلّ مريض، اللّهمّ سد فقرنا بغناك، اللّهمّ غير سوء حالنا بحسن حالك، اللّهمّ إقضِ عنّا الدين وأغننا من الفقر إنك على كلّ شيءٍ قدير". ماذا يمثل هذا الدعاء؟ إنّه يمثلك وأنت تستحضر في وعيك وفي وجدانك كلّ هموم العالم، ونلاحظ أنّه لم يتحدث عن المؤمنين فحسب بل عن كلّ فقير وكلّ جائع وكلّ عريان، مما يعني أنك قبل أن تدعو تفيض إنسانيتك في نفسك فتحمل هموم كلّ المرضى وكلّ الجائعين وكلّ المدينين وكلّ الغرباء وكل الذين يعانون مشكلة في الحياة، وبهذا تتربى إنسانيتك لتستحضر في نفسك كلمة الإمام عليّ (ع) في حديثه مع مالك الأشتر (رض) "فإنّ الناس صنفان إمّا أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق". لذلك ففي كلّ هذه الأدعية التي تتضرع بها في النهار وفي الليل وفي السحر حامداً مسبحاً مستغفراً ذاكراً مهللاً مكبراً منفتحاً في كلّ آلامك تفرشها بين يدي ربك، لابدّ لنا أن نختزن ذلك كلّه وأن نتثقف بذلك كلّه لأنّ ذلك يمثل ثقافة يمتزج فيها الفكر بالروح وتمتزج فيها حركة الدنيا بحركة الآخرة، فأنت لا تبتعد عن دنياك عندما تطلب من الله أن يرزقك وأن يمنحك الصحة والعافية والولد والأمن وما إلى ذلك. ولكنك تجعل ذلك كلّه في اتجاه الآخرة، وبذلك فأنت تعيش في دنياك آخرتك كما تعيش في مادتك روحك وفي فكرك عاطفتك. وهذه هي قيمة الثقافة الإسلامية التي جاء بها القرآن، فهي ليست ثقافة معلّبة ولكنها ثقافة تقتحم الإنسان.

إقرأوا القرآن جيداً لتجدوا أنّ القرآن يحدّثكم عن الجانب الفكري بالأسلوب العاطفي، ويحدثكم عن الجانب العاطفي بما لا يبتعد عن حركة الفكر ويحدثك عن الله ليتقرب الله إليك في وعيك فتشعر إنّ الله معك في نومك ويقظتك، وإنّ الله معك في مرضك وفي عافيتك وإنّ الله معك في خوفك وأمنك (لا تخزن إنّ الله معنا) (التوبة/ 40)، وتشعر بأنّ هذا الإحساس العميق بمعيّة الله هو الذي يعطيك السكينة التي يفيضها الله عليك من خلال الاندماج في رحاب ربك. وهكذا لابدّ لنا من أن نجعل الدعاء حالة يومية عندنا، حتى أنّ أغلب أدعية شهر رمضان ليست مخصوصة في معانيها ومضمونها في شهر رمضان، فعندما نقرأ (دعاء الافتتاح) مثلاً فإنّه دعاء تستطيع أن تفتتح به خطوتك ويومك وروحك إلى ربك، وبحيث تتحرك مع الله في كلّ صفاته وتنفتح على الرسالة في الرسول (ص) وعلى الولاية في الأئمة (ع) وتنفتح على كلّ حالة الجهاد والصراع حتى تصل إلى أن تعلن رغبتك إلى الله في دولة إسلامية يعزّ الله بها الإسلام وأهله، ويذل بها النفاق وأهله وتتحول فيها إلى داعية إلى طاعة الله، وأن تكون مشروع قائد في سبيل الله لتحصل بذلك على كرامة الله، ثمّ لتختم ذلك بأن تطلب من الله أن يعرّفك الحقّ ولتكون كلّ حركة حياتك بالحقّ بحيث يكون الحقّ هو سرّ حياتك.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 152
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا