الصفحة الرئيسية » المراهقة والشباب
النقد ومحاسبة النفس

2012/06/20 | الکاتب : أسرة البلاغ


 

قال الله تعالى:
(.. وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ...) (البقرة/ 284).
(وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ) (الصافات/ 24).
كتب الإمام على بن الحسين بن على بن ابي طالب (ع) الى الزهري، أحد علماء التابعين في عصره، يعظه وينصحه:
(فانظر أيّ رجل تكون غداً، إذا وقَفْتَ بين يَدي الله، فسألكَ عن نعمه عليك كيف رعيتها، وعن حججه عليك كيف قضيتها، ولا تحسبنّ الله قابلاً منكَ بالتغدير، ولا راضياً منك بالتقصير...).
النقد والمحاسبة أداتان رئيستان من أدوات تصحيح السلوك والفكر والشخصية الانسانية.
فما من شيء في عالم الانسان يتّصف بالكمال المطلق، وكل شيء في حياته يحتاج الى المراجعة والتنقيح والتصحيح والتسديد، ليخلص من الشوائب والنواقص والعثرات وأسباب الضعف والتخلف.
والتسليم بهذا المبدأ، مبدأ الاعتراف بالنقص، وعدم توفّر الكمال في عالم الإنسان، هو الضمانة الأولى لتحقيق التكامل والنضج والاستقامة، فعندما يسلّم الانسان أنّه لابدّ وأن يخطى، وانّه ليس بمستوى الكمال في كل فعل وموقف، ولابدّ وأن تصدر عنه الهفوات والزلَّات، ويقع في الخطأ والقصور بسبب الجهل، أو هوى النفس ونزع الشيطان، أو القصور وعدم القدرة على إدراك الحقيقة، أو تحقيق الكمال، فانّه يثبت الأساس والمنطق في مسيرته التكاميلة.
أمّا المغرور الذي لا يسلّم بقصوره الإنساني، أو تقصيره، فسوف لن يرضى بالإشكال عليه، ولن يخضع نفسه للمحاسبة والنقد الذاتي، وسيبقي موطناً للأخطاء والهفوات والتخلف، بعيداً عن السير التكاملي، والمستوى الأخلاقي والعلمي اللّائق بالإنسان.
إن محاسبة الانسان لنفسه على خطئه وتقصيره بحق الله والناس ونفسه، علامة صحة في تفكير الانسان ودليل يقظة ضميره وحسه الأخلاقي.
لقد اعتنت الرسالة الإسلامية كثيراً بترتيبه هذا الجانب المهم في شخصية الانسان، جانب النقد والمحاسبة الذاتية، وقبول ذلك، ممن يوجهه إليه، في مجالات كثيرة من كتاب الله والسنة المطهرة.
فقد دعت المبادى والقيم الاسلامية إلى محاسبة النفس والاحساس بالمسؤولية، وحثت الانسان على أن يراجع نفسه، ويقف وقفة تأمّل معها، يراجعها ويحاورها، ويشكل عليها اشكال الخصم المتهم، وينقدها نقد الناصح الأمين، ويغور إلى أعماقها ومداخلها والمعقدة التي تحاول الإخفاء والاستخفاء واصطناع الأعذار والمبررات والمدافعة والمغالطة.
إن من أخطر الحالات التي يواجهه الانسان في حياته العملية والفكرية، هي: حالة اعتباركل ما يصدر منه حسناً، ومتفوقاً ومتكاملاً، غير قابل للمناقشة، ولا نقص فيه، مما يدفعه الى المغالطة والدفاع عن الخطأ، والإصرار عليه.
وبدافع من الجهل أو التكبر والعناد، فلا يقبل المحاسبة، ولا يستمع للنقد البناء الذي يوجّه إليه.
وقد تحدث القرآن عن تلك الظاهرة الاجتماعية السيئة التي واجهت الدعوة الاسلامية في حياة الرسول الكريم محمد (ص)، وصدت الكثيرين عن الهدى، وعرض تلك الحالات كنماذج لوضع نفسي وأخلاقي معاكس للطريقة العلمية والاستقامة الأخلاقية والصحة النفسية.
قال تعالى:
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ* وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (البقرة/ 204-206).
فذلك نموذج من نماذج الاصرار على الخطأ والباطل، وعدم التنازل عن الموقف والفكرة والطريقة التي ألفها أو اختارها لنفسه.
ويتطابق هذا الموقف، وذلك النموذج البشري مع نظيره الذي زيّن له الشيطان عمله فرآه حسنا:
(أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (فاطر/ 8).
إن الانسان قد يعرّض لعملية خداع وتضليل باطني، تستحكم في العقل الباطن أو في أعماق الذات، أو يصور له من يحيطونه ويؤثرون على صنع قراره، ومواقفه وسلوكه وتعامله مع الناس، وعلاقته مع الله سبحانه، فيرى سوء عمله وتصرفه وقصور رأيه، وتخلف قراره أمراً حسناً، وشيئاً متفوقاً، بسبب تلك المؤثرات الذاتية أو الخارجية غير الواقعية، قيصر على الخطأ، وبدافع عنه، فيرى ما صدر عنه بعين الرضى، وبمستوى النضج والكمال، ويلجأ إلى المبررات والمدافعة ومخادعة النفس ومحاولة اقناع الآخرين، حتى كأن الشاعر يصور لنا لوحة نفسه المشوهة وهو يردد شعره:
وعين الرضى عن كل عيب كليلة
                             ألا إنَّ عين السخط تبدي المساويا
فهو يفعل كل ما يتصور إنّه مقنع لنفسه، وللآخرين بصحة رأيه وسلامة موقفه، وتصحيح قراره، ولكنه يبتعد عن قبول النقد وإعادة التقويم والحساب، ومراجعة النفس على ضوء الواقع والموازين الأخلاقية والشرعية والعقلية.
وينبه القرآن على خطورة النوازع الشيطانية التي تساهم في التأثير على موقف والقرار، والاتجاه العلم للانسان، ويدعو إلى استماع كلمة النصح والنقد والرشاد، ويؤكد للانسان المغرور، الواقع تحت تأثير المغالطة والمكابرة، إن العزة وقوة الشخصية والقرار، ليست في الاصرار على الخطأ، بل بقبول الحق، والتطابق مع الحقيقة، والاستماع إلى كلمة الرشاد.
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ) (فاطر/ 10).
(لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ...) (البقرة/ 284).
ولقد جعل الله الانسان رقيباً على نفسه، ومقوماً لها، وازناً لحقيقة أفكاره ونواياه وأفعاله عندما خاطبه بقوله:
(بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ* وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) (القيامة/ 14-15).
قال الطبرسي في تفسير هذه الآية:
(بل الانسان على نفسه بصيرة) أي أنّ جوارحه تشهد عليه بما عمل، فهو شاهد على نفسه بشهادة جوارحه عليه، عن ابن عباس وعكرمة ومقاتل، وقال القتيبي أقام جوارحه مقام نفسه ولذلك أنت لأن المراد بالانسان هاهنا الجوارح، وقال الأخفش هي كقولك فلان حجة وعبرة، ودليه قوله تعالى: (كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً)، وقيل معناه أنّ الانسان بصير بنفسه وعمله، وروى العياشي باسناده عن محمد بن مسلم، عن إبي عبدالله (ع) قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا، ويسر سيئاً، أليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنّه ليس كذلك، والله سبحانه يقول: (بل الانسان على نفسه بصيرة)، إنّ السريرة إذا صلحت قويت العلانية، وعن عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (ع) أنّه تلا هذه الآية، ثم قال: ما يصنع الانسان أن يعتذر إلى الناس خلاف ما يعلم الله منه، إنّ رسول الله (ص) كان يقول: من أسرّ سريرة ردّاه الله رداءها، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشر، وعن زرارة قال: سألت أبا عبدالله، ما حدّ المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال: بل الانسان على نفسه بصيرة، وهو أعلم بما يطيق، وفي رواية أخرى: هو أعلم بنفسه ذاك إليه. (ولو ألقى معاذيره) أي ولو اعتذر وجادل عن نفسه، لم ينفعه ذلك. يقال معذرة ومعاذر ومعاذير، وهي ذكر موانع تقطع عن الفعل المطلوب، وقيل معناه ولو أرخى الستور وأغلق الأبواب، عن الضحاك والسدي قال الزجاج: معناه ولو أدلى بكل حجّة عنده، وجاء في التفسير: المعاذير الستور، واحدها معذار، وقال المبرد هي لغة طائية والمعنى على هذا القول: وان أسبل الستور ليخفي ما يعمل فانّ نفسه شاهدة عليه.
لقد ثبّت رسول الله محمد (ص)، الهادى والمربي، والمثل الأخلاقي الأعلى للانسان المسلم، مبدأ المحاسبة، ونقد الذات وتقييمها، لأن الانسان تصدر عنه الأفعال والأفكار، وتختلج في نفسه النوايا والمقاصد، والاسلام يريد أن يصحّح النية والقصد الانساني، وينقح السلوك والعمل ويقومه، ويوجه الفكر والتفكير وينقيه من الشوائب والانحرافات، فقد روي عن رسول الله (ص) قوله:
(ألا أنبئكم بأكيس الكيسين، وأحمق الحمقاء، قالوا: بلي يا رسول الله (ص). قال: أكيس الكيسين من حاسب نفسه، وعمل لما بعد الموت، وأحمق الحمقاء من اتبع نفسه هواه، وتمنى على الله الأماني).
إنّ الرسول الكريم (ص) يصف المحاسب لنفسه بأنّه كيّس، يستخدم عقله ووعيه لتقويم سلوكه، وتوجيه مساره في الحياة، لأنه يخضع ما يفكّر به، وما يصدر عنه، للنقد والتقييم، فيصون نفسه من الخطأ والتقصير وتبعات المواقف ونتائجها السلبية الضارة.
ويصف من لا يراقب سلوكه وانفعالاته، ويندفع وراء هوى نفسه، بأنّه أحمق لا يستخدم عقله، ولا يقاوم نزعات الشيطان، ونزعات الشر، وأسباب التخلف والتقصير في حياته اليومية، تاركاً عمل الخير والاستعداد لعالم الآخرة، إلى خداع النفس العيش على الأماني الكاذبة، والأوهام الخداعة.
ويشخص الرسول الهادي محمد (ص) للانسان حقيقة أخرى، يلفت نظره إليها، ويحذره منها، وهي: أنّ الانسان إن لم يحاسب نفسه على تقصيره وخطئه، فأنّ الله يحاسبه، والناس يحاسبونه، والقانون يحاسبه، ويسأله الجميع على تقصيره وإساءته، وسيستحمل نتائج ذلك ومسؤوليتة، وعندئذ سيجد نفسه في قفص الاتهام، يقف أمام أسئلة كثيرة، لا يملك لها جوابا مقنعا ومقبولا.
إنّه لو اخضع نفسه وعمله للحساب، ووقف وقفة تأمل، وخلا بنفسه، أو بمن يثق به من الأهل والأصدقاء والناصحين له، وقيّم عمله ومواقفه، وسلوكه، لاستطاع أن يكتشف نقاط الضعف، ويشخص مواطن التقصير فيعالجها.
الرسول (ص) يقدّم النصيحة في مبادى التربية والتنظيم الدقيق لمسيرة الانسان وسلوكيته ومواقفه، عندما يقول له:
(حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتجهزوا للعرض الأكبر).
بل وجاء عن الإمام موسي بن جعفر الكاظم (ع) أنّ أولئك الذين سيطر عليهم الغرور، واعجبتهم فعالهم بأنّهم حمقى، قد ركبهم الغرور، وغاب عنهم العقل والرشاد، لذلك استبعدهم هن الجماعة المؤمنة، ونزّه الشخصية الاسلامية هن هذه السلوكية المتردّية، فقال: (ليس منّا لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فان عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيئاً استغفر الله منه وتاب إليه).
إنّ من صفات المؤمن هي محاسبة النفس، وإجراء التحقيق المستمر معها، ذلك لأنّ المحاسبة عبارة عن عملية تنقيح مستمرة للشخصية، وإعادة بناء الذات.
ولقد اعتبر الرسول الكريم محمد (ص) الاعجاب بالنفس والاقتناع بما يصدر عنها من فكر وعمل وممارسة دون التوقف، والنقد والمراجعة والتنقيح، اعتبر ذلك من أسباب الهلكة والتردي، فقال:
(ثلاث مهلكات: شحّ مطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه).
ونصح الإمام محمد بن على الجواد (ع) المؤمن بقوله:
(المؤمن يحتاج إلى توفيق من الله، وواعظ من نفسه، وقبول مّمن ينصحه).
فالفرد والجماعة في أعمالهم الفردية والجماعية – سواء كانت في مجال النشاط الفردي أو التعبدي أو الاجتماعي أو السياسي أو الفكري – إذا سيطر عليهم الغرور، وستمروا في عملهم دونما نقد للذات ومحاسبة للمواقف، سيقودون أنفسهم إلى الهاوية والهلاك.
ويسوق القرآن الكريم بشراه إلى الذين يتعاملون بقلب منفتح، وعقل واع، ووضع نفسي سليم، مع كلمة الخير التي تأخذ بيد الانسان، وتهديه سبيل الرشاد، وتنجيه من الهلكة، والضياع والتردد والتخبط الفكري والاخلاقي والسياسي والاجتماعي... إلخ:
(.. فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ) (الزمر/ 17-18).
ومن الخطأ الذي يقع فيه كثير من الناس، هو كراهية سماع ما يظهر نقصهم أو تخلفهم وخطأهم وسقوطهم، لذلك فهم يميلون إلى من يزيّن لهم عملهم، ويكيل لهم المديح والثناء بغير حساب، وينفرون مّمن يوجّّه إليهم النقد البنّاء، والتقويم السليم، ويقدم لهم النصح.
إنّ الذين ينقدوننا نقداً بنّاءً هم الناصحون، وهم الذين يساهمون بتسديد خطئنا، وتقويم سلوكنا وعملنا الشخصي أو السياسي والاجتماعي والثقافي... إلخ.
أمّا الذين يغلفون حالة الملق والتزلف والإنتهازية بالمديح والثناء المفتعل، فهم عنصر هدام، ودخان يحجب العيون عن رؤية الحقيقة، فينبغي للعاقل أن يفتح قلبه ونفسه لسماع نقد المخلصين، وأن يستفيد من نقد الخصوم وإثارهم وطعونهم ليحصّن نفسه، وينقح سلوكه وأفكاره ومواقفه في كل مجال يوجه إليه النقد فيه.
قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع):
(أحب اخواني إلى من أهدى إلى عيوبي).
وللنقد والمحاسبة آدابها وأصولها الأخلاقية والانسانية، ومن ابرز تلك الآداب والأصول أن يكون الناقد مخلصا وموضوعيا وأمنيا ومحبا للخير ولمصلحة الآخرين، الذين يوجه إليهم النقد.
فانقد أداة ترشيد وتقويم، وعامل بناء وتسديد للانسان وتصحيح لمسيرته، وليس أداة للهدم والتخريب والتوهين واسقاط الشخصيات والجماعات والاتجاهات السليمة.
فالانسان الناقد يجب أن يتصف بالصدق والإخلاص والموضوعية، ويبتعد عن التهريج والاثارة الهدامة وارباك الآخرين والتشكيك بهم.
وينبغي للناقد أن يتناول المواقف والقرارات والأفكار والآراء باسلوب عملي، وبنقد موضوعي يساعد الآخرين على رؤية النواقص، وتشخيص الضعف والتخلف والخطأ، وتلمّس طريق الصواب والتغيير، والتحرك نحو التكامل، وليس التشهير والطعن وكشف النواقص الواقعية أو المتصورة في ذهن الناقد بشكل مثير وهدام، فانّ ذلك الأسلوب ليس من أساليب النصح والتسديد، بل هو من وسائل الهدم والتخريب، وتضييع الحقيقة والجوانب الايجابية في الشخص أو الجماعة التي يوجه إليها النقد، بإثارة الغبار والتشكيك من خلال نقاط الخطأ أو التقصير، بحيث لا ترى إلّا نقاط الضعف والقصور والصورة الشوهاء التي يصورها الناقد الهدام.
إنّ القرآن يؤكد وجوب الإلتزام والانظباط الأخلاقي عند التقويم والنقد والمحاسبة، ويعد القول السديد من التقوى والتكامل الأخلاقي:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا) (الأحزاب/ 70).
في الوقت الذي ينهى فيه عن تضييع الجوانب الايجابية، ومجالات القوة، والمواطن المضيئة، والحسنات والسلوكية البنّاءة وإهمالها عند النقد والتقويم، فيقول:
(وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (الأعراف/ 85).
فلابد لمن يريد أن يمارس عملية النقد أن يلتزم بتلك الأصول والآداب، ويحافظ عليها.
فالنقد الهدام، واستغلال الثغرات، وانتهاز الفرص، وتتبع العثرات، ومحاولة اظهار أعمال الآخرين ومشاريعهم ومنهجهم الثقافي أو جهدهم العلمي، أو عملهم السياسي، والاجتماعي بمظهر الخطأ والتخلف والتفاهة، بدافع الأنانية، أو النزاعات الشخصية، أو بسبب الجهل والتعصب.
إنّ كلّ ذلك لا يسمى نقداً، بل هو عملية هدم وإسقاط لجهود الآخرين، وإحباط لمساعيهم، واعاقة لنمو مشاريعهم وأعمالهم الاصلاحية والعلمية أو السياسية والثقافية، فكثير من الناس يقدم على مشروع عمل، فيصدر صحيفة أو مجلة إسلامية، أو ينشى جمعيّة خيرية أو مشروعاً ثقافياً، كالمدارس والمعاهد الدينية، أو يؤسس حركة إسلامية، أو يحدث نشاطاً وعملاً سياسياً واجتماعياً، فيخطى أو يفشل في عمله بسبب قلة الخبرة، أو ضعف الإمكانيات، أو عدم توفر الظرف المناسب.
إنّ حق أولئك العاملين الإسلاميين على الآخرين هو التسديد والنصح وتقديم العون والخبرة والنقد البناء بالوسائل والطرق الصحيحة المثمرة:
(.. وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا...)(البقرة/ 83).
(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ* وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ) (إبراهيم/ 24-26).
وفي الحديث الشريف نجد تأكيدا على أهمية الكلمة والطريقة التي يتم بها الارشاد والتوجيه، فقد ورد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع):
(إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة فيكتب الله بها إيماناً في قلب آخر، فيغفر لهم جميعاً).
ومن آداب النقد والمحاسبة في الاسلام هو عدم التشهير بالآخرين، أو الإضرار بسمعتهم ما زالوا يحملون النوايا المخلصة، والقصد الصادق في اتجاههم الإيماني.
لذلك ورد هذا التشبيه على لسان الإمام الحسن بن علي العسكري (ع) وهو يرشد إلى كيفية النقد والنصح والتسديد:
(مَن وعَظَ أخاهُ سِرّاً فقد زانه، ومَن وعَظَهُ عَلانيةً فَقَد شانَه).
بل وتتأكد المهمة النقدية البنّاءة، كمسؤولية رسالية وواجب أخلاقي يتحمله المؤمن تجاه أخيه المؤمن في جملة من الروايات والأحاديث الشريفة، فعلى الناقد أن يصور الحقيقة، ويشخص الواقع، وعلى المنقود أن يتقبل بصدر رحب، وعقل منفتح ذلك النقد البناء، والنصيحة الصادقة، جاء ذلك واضحاً ومصوراً بدقة متناهية تكشف قيمة النقد وكيفيته، في الحديث الذي يرويه الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) عن جدّه رسول الله (ص)، قال: قال رسول الله (ص):
(المؤمن مرآة أخيه، يميط عنه الأذى).
وفي الوقت الذي يريد الاسلام أن تكون المهمة النقدية لأعمال الآخرين الفكرية والاجتماعية والسياسية وأمثالها، مهمّة تصوير للحقيقة، وتصوير لنقاط الضعف والقوة كما تصور المرآة الواقع دون تزييف، أو تلاعب، أو تدخّل ذاتي، أو أناني، فانّه ينهى المؤمنين المتآخين في الله، أن يهتك بعضهم حرمة بعض، ويحصي عليه زلاته ليسقطه، ويزعزع مكانته، أو يحط من كرامته وقدره.
فقد روي عن الإمام محمد بن علي الباقر (ع):
(إنّ أقرب ما يكون العبد من الكفر أن يؤاخي الرجل على الدين، فيحفظ عليه عثراته، ويحصي عليه زلاته، ليعنفه يوماً ما).
إذن فلنحاسب أنفسنا، ولننقدها بوعي وتجرد، ولنقف ولنتأمل كلما سرنا شوطاً لنعيد التقويم والحساب، ولنصغ إلى النقد والنصيحة وكلمة الحق، ولنحسن النقد وتوجية الآخرين، ولنتق الله عندما ننقد ونقوم الآخرين، فانّنا مسؤولون عن ذلك :
(مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق/ 18).
ولنتحاشى التشهير بالآخرين ومحاولة اسقاطهم، وليكن هدفنا من النقد هو الإصلاح، وليكن دافعنا إليه هو حب التغيير وحب الخير.
لنبتعد عن التبرير والاسقاط ومخادعة النفس، فمن الخطأ أن نقنع أنفسنا بصحة كل ما يصدر عنّا، والرضى بأوضاعنا دون أن نعمل على إعادة النظر فيها وتمحيصها، وتصعيد مستواها:
(من استوى يوماه فهو مغبون...).
أمّا المصر على الخطأ، فهو ظالم لنفسه ولغيره.
ولنجعل قول الرسول (ص) منهاج عمل يومي لنا في الحياة:
(حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا، وتجهّزوا للعرض الأكبر).
 
- هدي وإرشاد:
1- من وصيّة طويلة، وصّى بها الرسول (ص) أباذر الغفاري (رض):
(يا أباذر حاسب نفسك قبل أن تحاسب، فانّه أهون لحسابك غداً...).
2- قال رسول الله (ص): (أكيس الكيّسين من حاسب نفسه، وعمل لما بعد الموت).
3- قال الرسول (ص): (لايكون العبد مؤمنا حتّى يحاسب نفسه أشدّمن محاسبة الشريك شريكه).
4- قال الرسول (ص): (الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبَعَ نفسه هواها، ثمّ تمنّى على الله).
5- عن الرسول (ص)، قال: (من مقت نفسه دون مقت الناس آمنه الله من فزع يوم القيامة).
6- عن أمير المؤنين (ع): (من حاسب نفسه ربح، ومن غفل عنها خسر، ومن خاف أمن، ومن اعتبر أبصر فهم، ومن فهم علم).
7- عن أمير المؤمنين (ع)، قال: (يا أسرى الرغبة، اقصروا فانّ المعرّج على الدنيا ما لا يروّعه منها صريف أنياب الحدثان، أيّها الناس تولّوا من أنفسكم تأديبها، واعدلوا بها ضراوة عاداتها).
8- عن أبي الحسن (ع)، قال: (إنّ رجلا في بني إسرائيل عبدالله أربعين سنة، ثّم قرّب قرباناً فلم يقبل منه، فقال لنفسه: ما أتيت إلّا منك، وما الذنب إلّا لك، قال: فأوحى الله عزّوجلّ إليه: ذمّك لنفسك أفضل من عبادتك أربعين سنة).
9- عن الإمام على بن الحسين (ع)، قال: (ابن آدم: إنّك لا تزال بخير ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان الخوف لك شعاراً، والحزن لك دثاراً، ابن آدم: إنّك ميّت ومبعوث وموقوف بين يدي الله فأعدّ جواباً).

 
 

وسن  

احسنتم في ميزان اعمالكم

 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 3929
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 أسلوب النقد السليم
 معالم النقد في المدرسة القيادية
 تقبّل النقد ورفضُه
 الخيال الشّعريّ والعبارة الجميلة الفاضحة
 ثقافة النقد السليم
 10 نصائح للتعامل مع النقد الموجه إليك
 التفكير الناقد
 انتقاد العيوب.. بلا إحراج
 حسنات ومساوئ الانتقاد الدائم للأبناء
 أفكار مفيدة لمواجهة النقد الذاتي

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا