الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الإمام الصادق (ع) وسمو شخصيته

2016/07/29 | الکاتب : عمار كاظم


هو الإمام جعفر الصادق، ابن الإمام محمّد الباقر، ابن الإمام عليّ السجّاد، ابن الإمام الحسين السبط الشهيد (ع). ومعلوم أنّ أبا الإمام الحسين هو الإمام عليّ بن أبي طالب (ع)، وأُمّه فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص). وهكذا ينتهي نسب الإمام جعفر بن محمّد الصادق إلى فاطمة بنت رسول الله وأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) أخي رسول الله (ص) وحبيبه ومستودع علمه وحامل لوائه. وأُمّ الإمام جعفر الصادق (ع) هي فاطمة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر، وأُمّها أسماء بنت عبد الرّحمان بن أبي بكر، لذلك قال الإمام الصادق (ع): "ولدني أبو بكر مرّتين".

شقَّ الإمام الصادق (ع) عُباب العلوم ببصيرته الثاقبة حتى ملأ الدنيا بعلومه، وهو القائل :"سلوني قبل أن تفقدوني فإنه لا يحدثكم أحدٌ بعدي بمثل حديثي". ولم يقل أحد هذه الكلمة سوى جدّه الإمام أمير المؤمنين (ع). لقد كان الإمام (ع) شديد التواضع وهو سيد المسلمين، وكان ينكر التكبر ويشجب المتكبرين. ومن تواضعه ونكرانه للذات أن رجلاً من السواد كان يلازمه، فافتقده فسأل عنه، فبادر رجل فقال مستهيناً بمن سأل عنه: إنّه نبطيٌّ...

فردّ عليه الإمام (ع) قائلاً: "أصل الرجل عقله، وحسبه دينه، وكرمه تقواه، والناس في آدم مستوون..." فاستحيى الرجل.

لقد ملك الإمام الصادق (ع) القلوب بسمو أخلاقه الكريمة التي كانت امتداداً لأخلاق جدّه رسول الله (ص). لقد تحلى الإمام (ع) بصفة الصبر وعدم الجزع على ما لاقاه من عظيم المحن والخطوب.

تميّز عصر الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع) بأنّه عصر النمو والتفاعل العلمي والحضاري بين الثقافة والتفكير الإسلامي من جهة، وبين ثقافات الشعوب ومعارف الأُمم وعقائدها من جهة أخرى، ففي عصره نَمَتِ الترجمةُ، ونُقِلت كثير من العلوم والمعارف والفلسفات من لغات أجنبيّة إلى اللّغة العربية، وبدأ المسلمون يستقبلونَ هذه العلومَ والمعارِفَ وينقِّحونها أو يضيفون إليها، ويعمِّقون أصولها، ويوسعون دائرتها، فنشأت في المجتمع الإسلامي حركة علمية وفكرية نشطة، ونما التفكير والبحث العلمي، واشتغل المسلمون بعلوم الطب والفلك والكيمياء والفيزياء والرياضيات وغيرها من العلوم والمعارف، كما نُقِلَت الفلسفة والمنطق وأُصول التفكير والمعتقد عن اليونانية والفارسية وغيرها إلى اللّغة العربية، فعرف المسلمون خطّاً جديداً من التفكير العقائدي والفلسفي، ولم يكن هذا الغزو والتفاعل الحضاري ليمرّ دون أن يُنتج أثراً أو رد فعل في التفكير والمعتقد الإسلامي. لذا فقد نشأ تيار من الشكِّ والإلحاد، ونشأت فِرَق كلاميّة، وآراء شاذّة، وقد واجهها موقف علمي وعقائدي إسلامي متين، استطاع بعد طول صراع، وكفاح علمي وعقائدي أن يوقِفَ زحفَ الغزو الحضاري، ويكشفَ زيفَهُ وهزالَهُ. وإلى جانب هذا النموّ والتوسّع والتفاعل العلمي والحضاري في عصر الإمام (ع)، فإنّ المجتمع الإسلامي شهد نموّاً وتطوّراً كبيرين، فاستجدّت وقائع وأحداث وقضايا سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة تحتاج إلى بيان رأي الشريعة، وتحديد الموقف والحكم الشرعي منها، وكان حصيلة ذلك أن نشأتِ الآراءُ والمذاهبُ الفقهيّة، ونشط علماءُ الفقه والاجتهاد.

يطرح الإمام كذلك مفهوماً سياسياً يتصل بإنسانية الإنسان وبمسؤوليته، فيقول: "إنّ الله فوّض إلى المؤمن أمره كلّه ولم يفوّض إليه أن يكن ذليلاً، إنّ الله يقول: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (المنافقون/ 8)، إنّه يؤكد العزّة في نفسه وفي موقفه وفي سلوكه على أساس أنّها جزء من حركة إيمانك في عمق إنسانيتك، فأن تكون عزيزاً لا تملك الخيار عندما تنفتح على الله، فقد جعلك عزيزاً وأراد لك أن تمارس العزّة في نفسك، ولهذا فإنّ ما جعله الله لك في حركة إرادتك تماماً كما جعله لك في صلب تكوينك، فكما لا يمكن لك أن تخرج من ذلك لأنّه خروج من ذاتك، كذاك لا يمكن ان تخرج من العزة لأنّها خروجٌ من إيمانك وإنسانيتك. هذا المفهوم للعزّة الذي يعتبره الإمام (ع) جزءاً من إيمانك في عمق إنسانيتك، هو من المواقف التي لابدّ أن نربّي الأُمّة عليها على أساس أنّها جزء من الإيمان والتديّن، فمن لا عزّة له لا إيمان له، ومن لا عزّة له لا دين له، إنّه يقول: "إنّ الله فوّض للمؤمن أمره كلّه"، كلّ ما تشاء من حلال، اشرب ما تشاء، إلعب ما تشاء، الهُ ما تشاء، لكن ليس لك حرِّية أن تكون ذليلاً لأنّك بذلك تخرج عن مواقع رضا الله. المهم أن نعيش العزّة كقيمة أساسية في إنسانيتنا وفي إيماننا، وأن نعيش الحرِّية كقيمة إنسانية ثابتة في كلّ تكويننا، وأن لا تكون حالة طارئة تتغيّر حسب الظروف، فالذين يتحدثون عن السياسة الواقعية نقول لهم أنّ هذه السياسة لا تعني أن تستسلم للأمر الواقع بل تعني أن تغيّر الواقع بأدوات الواقع، لأنّ الله أعطاك الكثير من الوسائل لهذا وذاك. هذا هو مفهوم الإمام الصادق (ع) للشخصية الإسلامية الإيمانية في الحرِّية التي لا تؤخذ بمرسوم تصدره هذه القوة أو تلك، والعزة التي لا تأتي هبة من هنا أو هناك، وقد قال الصادق (ع) فيما استوحاه من رسول الله (ص): "مَن أراد عزّاً بلا عشيرة وغنى بلا مال وهيبة بلا سلطان فلينتقل من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته"، وقد قال الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع) إذا نظر إلى أصحاب الدنيا: "واعصمني من أن أظنّ بذي عدم خساسة أو أظنّ بصاحب ثروة فضلاً فإنّ الشريف من شرّفته طاعتك والعزيز من أعزّته عبادتك".

بعد هذا العمر المليء بالعلم والعمل والسعي والجهاد والفضل والتقوى، فارَقَ حفيدُ الرسول الأعظم، الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع) الحياة التي لم يُرَ فيها إلّا عالِماً زاهداً، مُدافعاً عن الحقِّ والعدل، داعياً إلى الله تعالى، فاعلاً للخير ودالّاً عليه، ناهياً عن الشرِّ ومُحذِّراً منه مُحتسِباً مُنيباً إلى الله تعالى، صابراً على كلّ ما أصابه من ظلم وجور، منيراً للأُمّة طريق سعادة الدارين، رافعاً للأجيال راية الكفاح من أجل الحفاظ على شريعة الله تعالى، ومقاومة كلّ ضلال وانحراف، أو بدعة أو هوىً، مبرهناً للناس إلى يوم القيامة – بشخصيته المباركة الفذّة – أنّ "مدرسة الإسلام" تُنشئُ الرّجولة والبطولة، وتبني العقيدة والخُلُق، وتفجِّر النافع والفهم الواسع، وتشيعُ الخير في العالمين. وانتقل إلى جوار ربِّه في شهر شوّال سنة (148هـ)، وكانت وفاته بالمدينة المنوّرة، ودُفِنَ في مقبرة البقيع مع أبيه وجدّه وجدّته فاطمة الزهراء (ع) وعمّه الحسن السِّبط (ع). فسلامٌ على روحه الطّاهر يوم وُلِدَ، ويوم ماتَ، ويوم يُبعثُ حيّاً، وطوبى للمُهتدين بِهُداه.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 112
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 شهر شعبان.. شهر التنافس
 إشراقات التضحية في مدرسة الحسين (ع)
 مكارم العبّاس (ع) وشجاعته
 آداب وشروط الدعاء
 شعبان المبارك.. تدريب وتأهيل
 كمالات الإمام زين العابدين (ع) الإنسانية
 خط الإمام الحسين (ع) ومنهجه الهادف
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا