الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
أسلوب الرفق في التوعية والتعامل

2016/07/29 | الکاتب : عمار كاظم


عندما يكون إنسان في المرتبة العليا من الثقافة ويكون إنسان آخر أقل مرتبة منه، فإنّ الكبرياء العلمي قد يدفع الأوّل ليسقط الثاني في نظرته إليه وفي تعامله معه، ويبتعد عن محاولة النزول إلى مستواه من حيث الأسلوب والتعامل. هنا نجد الإمام الصادق (ع) في بعض كلماته يعالج هذه الظاهرة، فيقول وهو يخاطب بعض أصحابه: "فلا تسقط من هو دونك فيسقطك من هو فوقك" فهذه الظاهرة تمثل عدوى اجتماعية، لأنّ العرف الاجتماعي يحرك بين الناس ليسقط الأعلى الأدنى في حين أنّه ليس هناك (أعلى) بالمطلق، فهو إذا كان شخصاً أعلى من شخص آخر، فإنّه – في الوقت نفسه – أسفل من شخص آخر أيضاً، ذلك لأنّ الثقافة نسبية. فإذا كنت تسقط مَن هو دونك على أساس أنّك أعلى منه، فسوف يسقطك مَن هو فوقك على نفس الأساس، ثم يوجّه الإمام الصادق (ع) الإنسان الذي هو بهذه المرتبة كيف يتعامل مع الإنسان الذي هو أقل منه مرتبة في مسألة التوعية والهداية والتوجيه، فيقول: "إذا رأيت مَن هو أسفل منك بدرجة فارفعه إليك برفق" لاحظوا أنّ الإمام استعمل كلمة (برفق) أي أن تعمل على أساس أن تدرس ثقافتك الأسلوب الذي يمكنه أن يستوعب هذه الثقافة، فلا تفقد نفسك أمامه، ولا تفقد مستواك معه، ولكن حاول أن تتعامل معه تعامل الإنسان الذي يريد أن يصعد بالإنسان الآخر إلى مستواه برفق وأناةٍ وعطفٍ وحنان، فكلمة "الرفق" تختزن في داخلها معنى هذا العطف الإنساني الذي ينفتح فيه إنسان على إنسان. ويقول الإمام مضيفاً "ولا تحملنّ عليه ما لا يطيق فتكسره" فلا تتكلم معه لغة لا يفهمها، ولا تحاول أن تثير معه المطالب التي لا يستطيع أن يعيها، لأنّك إذا حمّلته ما لا يطيق، فستهدم وعيه وستشعره بالإحباط وأنّه في موقع اليائس الذي يفقد الثقة بنفسه "فإنّ مَن كسر مؤمناً فعليه جبره" فأنت تتحمل مسؤولية النتائج السلبية الناجمة عن هذا الأسلوب الذي استعملته معه. ونجد كذلك أحاديث أخرى عن النبيّ (ص) تتحدث في قضية المتصاحبين في الطريق، فقد يخدم أحدهما الآخر، فبحسب هذا الحديث يقول النبيّ (ص): "ما اصطحب اثنان إلّا كان أعظمهما أجراً وأحبُّها إلى الله عزّ وجلّ أرفقهما بصاحبه" فالإنسان الذي يرفق بصاحبه لا يتعسّف في تعامله معه، ولا يحاول أن يلقى كلّه عليه، بل يبادر إلى أن يخفف عنه بخدمته ورعايته له، فيكون بذلك الأعظم أجراً والأكثر حبّاً من الله. وتنطلق الأحاديث بعد ذلك لتتحدث عن الخطّ العام للرفق كقيمة إسلامية رائعة تجعل الإنسان قريباً إلى الله وإلى الناس، فعن الصادق (ع): "مَن كان رفيقاً في أمره، نال ما يريد من الناس" وعن النبيّ (ص): "إنّ الرفق لم يوضع على شيء إلّا زانه ولا نزع عن شيء إلّا شانه" ويقول (ص): "إنّ في الرفق الزيادة والبركة ومَن يحرم الرفق يحرم الخير" فإذا كان الرفق في عقلك وقلبك وحياتك وأسلوبك مع الآخرين، فإنّه يعطيك الخير كلّه في الدنيا والآخرة. وهكذا نجد أنّ الإمام الصادق (ع) يتحدث عن الرفق في تقدير المعيشة، أي أن تكون رفيقاً في مصارفك واقتصادك فيما أعطاك الله من مال، حيث يقول "أيّما أهلِ بيتٍ أعطوا حظّهم من الرفق فقد وسّع الله عليهم في الرزق" والرفق في تقدير المعيشة بأن تبذل ما أعطاك الله بقدر حاجاتك ولا تحاول أن تقفز فوقها لتسرف وتبذّر، فعقلية الرفق التي هي عقلية الاقتصاد خير من السعة في المال، إذ ما قيمة مال تبذره وتسرف فيه من دون أن يعطيك حاجاتك. وفي نهاية المطاف "والرفق لا يعجز عنه شيء" لأنّ الرفق يدرس الأمور ويخطط لها ويعطي كلّ حاجة ما تريد "والتبذير لا يبقى معه شيء إنّ الله رفيق يحبُّ الرفق"، فإذا كان الله يحبُّ الرفق، وهو يحبُّ الذين يحبّون ما أحبّ ويعملون بما أحبّ، فهل لنا أن نعيش هذه القيمة الأخلاقية في أنفسنا وبيتنا ومع الناس الآخرين وفي أسلوبنا العملي والحركي مع الإنسان ومع الحيوان ومع الحياة، إنّنا بذلك نستطيع أن نصنع الإنسان الذي يعيش مع الإنسان الآخر بكلّ مسؤولية وبكلّ محبة وانفتاح.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 115
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 الأبعاد التربوية لشهر رمضان المبارك
 شهرُ الصيام
 الرحمة والتراحم في خطبة النبيّ محمّد (ص)
 التثقّف بالقرآن في الشهر الكريم
 عطايا الشهر الفضيل
 شهر رمضان.. تربة صالحة لنمو الفضائل
 حكَم الصيام وآثاره
 الخشوع الصادق في الصلاة
 معنى الجهاد في الصوم
 الحكمة من فريضة الصوم

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا