الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
كمالات الأخلاق في شخصيّة الإمام الرضا (ع)

2016/08/12 | الکاتب : عمار كاظم


في الحادي عشر من ذي القعدة من سنة  148هـ أو 153هـ كانت ولادة علي بن موسى الرضا (ع)، فاللهم صلِ على مَن أشرقت شموس مجده في جميع الأكوان، وأسكت بحججه أهل الأديان، الغامر سناه ربوع خراسان بالضياء، الإمام بالنص أبي الحسن الثاني الرضا (ع). حيث كانت شخصيّة الإمام الرضا (ع) ملتقى للفضائل بجميع أبعادها وصورها، فلم تبقَ صفة شريفة يسمو بها الإنسان إلّا وهي من نزعاته، فقد وهبه الله كما وهب آباءه العظام وزيّنه بكلّ مكرمة، وحباه بكلّ شرف وجعله علماً لأُمّة جده، يهتدي به الحائر، ويسترشد به الضال، وتستنير به العقول .إنّ مكارم أخلاق الإمام الرضا (ع) نفحة من مكارم أخلاق جده الرسول الأعظم (ص) الذي امتاز على سائر النبيين بهذه الكمالات. «ما رأيت، ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا (ع)، ما جفا أحداً قط، ولا قطع على أحد كلامه، ولا ردَّ أحداً عن حاجة، وما مدَّ رجليه بين جليسه، ولا اتكأ قبله، ولا شتم مواليه ومماليكه، ولا قهقه في ضحكة، وكان يجلس على مائدته مماليكه ومواليه، قليل النوم بالليل، يحيي أكثر لياليه من أوَّلها الى آخرها، كثير المعروف والصدقة، وأكثر ذلك في الليالي المظلمة». ومن معالي أخلاقه أنّه كما تقلد ولاية العهد التي هي أرقى منصب في الدولة الإسلاميّة لم يأمر أحداً من مواليه وخدمه في الكثير من شؤونه وإنّما كان يقوم بذاته في خدمة نفسه، حتى قيل : إنّه احتاج الى الحمّام فكره أن يأمر أحداً بتهيئته له، ومضى إلى حمّام في البلد لم يكن صاحبه يظن أنّ ولي العهد يأتي إلى الحمّام في السوق فيغسل فيه، وإنما حمامات الملوك في قصورهم .ولما دخل الإمام الحمّام كان فيه جندي، فأزال الإمام عن موضعه، وأمره أن يصب الماء على رأسه، ففعل الإمام ذلك، ودخل الحمّام رجل كان يعرف الإمام فصاح بالجندي هلكت، أتستخدم ابن بنت رسول الله (ص)؟! فذعر الجندي، ووقع على الإمام يقبل أقدامه، ويقول له متضرّعاً :«يا ابن رسول الله! هلاّ عصيتني إذ أمرتك؟»، فتبسّم الإمام في وجهه وقال له ، برفق ولطف : «إنّها لمثوبة، وما أردت أن أعصيك فيما أثاب عليه». ومن سموّ أخلاقه أنّه إذا جلس على مائدة أجلس عليها مماليكه حتى السائس والبوّاب وقد أعطى بذلك درساً لهم، لقاء التمايز بين الناس، وأنّهم جميعاً على صعيد واحد، ويقول إبراهيم بن العباس: سمعت علي بن موسى الرضا (ع) يقول: «حلفت بالعتق، ولا أحلف بالعتق إلاّ أعتقت رقبة، وأعتقت بعدها جميع ما أملك، إن كان يرى أنّه خير من هذا، وأومأ إلى عبد أسود من غلمانه، إذا كان ذلك بقرابة من رسول الله (ص)، إلاّ أن يكون له عمل صالح فأكون أفضل به منه». وقال له رجل : والله ما على وجه الأرض أشرف منك أباً .فقال (ع) : «التقوى شرّفتهم، وطاعة الله احفظتهم». وقال له شخص آخر: أنت والله خير الناس ...فردّ عليه قائلاً: «لا تحلف يا هذا! خير مني مَن كان أتقى لله عزّ وجلّ، وأطوع له، والله ما نسخت هذه الآية (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/13)». ومن صفات (ع) الزهد في الدنيا، والإعراض عن مباهجها وزينتها، وقد تحدث عن زهده محمد بن عباد حيث قال : كان جلوس الرضا على حصيرة في الصيف، وعلى مسح في الشتاء، ولباسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزيا. ولم يكن شيء في الدنيا أحبّ إلى الإمام الرضا (ع) من الإحسان إلى الناس والبر بالفقراء. فكان إذا أتي بصحفة طعام عمد إلى أطيب ما فيها من طعام، ووضعه في تلك الصحفة ثم يأمر بها إلى المساكين، ويتلو قوله تعالى: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) (البلد/11)، ثم يقول: «علم الله عزّ وجلّ أن ليس كلّ إنسان يقدر على عتق رقبة فجعل له السبيل إلى الجنة». وروي: أنّ فقيراً قال له: أعطني على قدر مروّتك. فأجابه الإمام (ع) : «لا يسعني ذلك». والتفت الفقير إلى خطأ كلامه فقال ثانياً : أعطني على قدر مروّتي. وهنا قابله الإمام (ع) ببسمات فيّاضة بالبشر قائلاً له: «إذن نعم». ثم قال: «يا غلام! أعطه مائتي دينار». كما كان (ع) يكرم الضيوف، ويغدق عليهم بنعمه وإحسانه وكان يبادر بنفسه لخدمتهم، وقد استضافه شخص، وكان الإمام يحدثه في بعض الليل فتغيّر السراج فبادر الضيف لإصلاحه فوثب الإمام، وأصلحه بنفسه، وقال لضيفه : «إنّا قوم لا نستخدم أضيافنا». ومن أحب الاُمور إلى الإمام الرضا (ع) عتقه للعبيد، وتحريرهم من العبودية، ويقول الرواة: إنّه أعتق ألف مملوك. وكان الإمام (ع) كثير البر والإحسان إلى العبيد، وقد روى عبدالله بن الصلت عن رجل من أهل (بلخ)، قال : كنت مع الإمام الرضا (ع) في سفره إلى خراسان فدعا يوماً بمائدة فجمع عليها مواليه، من السودان وغيرهم، فقلت: جعلت فداك لو عزلت لهؤلاء مائدة، فانكر عليه ذلك وقال له :«مه إنّ الربّ تبارك وتعالى واحد، والأُم واحدة، والأب واحد والجزاء بالأعمال...». إنّ سيرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كانت تهدف إلى إلغاء التمايز العرقي بين الناس، وإنّهم جميعاً في معبد واحد لا يفضل بعضهم على بعض إلاّ بالتقوى والعمل الصالح.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 208
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 تنمية الحوار عند الشباب
 الوعي بدور العاملين في المجال الإنساني ومساندتهم
 تجسيد معاني الوحدة في فريضة الحج
 دحو الأرض.. يوم مبارك وواقعة جليلة
 المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)
 اليوم العالمي للعمل الإنساني
 إضاءات من شخصية الإمام الجواد (ع)
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا