الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
قاعدة العلاقات الإنسانية

2016/08/12 | الکاتب : عمار كاظم


بالإضافة إلى اهتمام الإسلام بالعلاقات الاجتماعية واحترامه لدورها في تكامل الإنسان فإنّه يقوم بتربية الروح الجماعية بقوالب وأصول ومعايير إلهية ويقوم أيضاً بترتيب هذه العلاقات في قالب "الإنسان والاعتقاد" وبإعطائه ملاكات؛ مثل خطاب: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (النساء/ 1)، فإنّه يلفت إلى الفطرة والبحث عن الله وحب النوع والتقوى، وخطاب: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) (آل عمران/ 64)، وفإنّه يدعو جميع أتباع الأديان الإلهية إلى تقبل أصول التوحيد المشتركة والابتعاد عن الشرك الذي هو نقطة البداية لاختلاف الناس، وبخطاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يدعو المسلمين بشكل أوسع إلى واجباتهم الإيمانية والإسلامية. فيعتبر الإسلام أنّ الإنسان مخلوق اجتماعي يتيسر تكامله على ضوء حياة جماعية، ومن هنا فإنّه يدعو الأفراد والمجتمعات إلى التضامن والوحدة المبنية على "التوحيد" ويربي الروح الجماعية حتى عن طريق عبادات مثل صلاة الجماعة والجمعة والحج، وعلى المستويات المختلفة الشعبية والعالمية. ويهتم بوضع برامج محسوبة على المستويات الثقافية والسياسية والاقتصادية لتدبير وإدارة المجتمع، ويبشر بتشكيل حكومة إسلامية عالمية واحدة. وقد طرح الإسلام أيضاً حدوداً وشروطاً وأصولاً وضوابط من أجل العلاقات والتعامل الاجتماعي. كما إنّ العلاقات الإنسانية في المذاهب التربوية الأخلاقية السائدة – خاصة في الثقافة الغربية – مبتنية على تبادل المنافع، وتتضمن رعاية حقوق الإنسان طالما أنّ هناك مجال للربح المتبادل، وهكذا فلسفة لا قيمة لها في الإسلام. إنّ النظام التربوي الإسلامي، مبتن على أساس التقرب من الله والحصول على رضاه على قاعدة العلاقات الإنسانية، ولكنه لا يتدخل في الربح المتبادل والعرق واللون واللغة والجنسية. روي عن الإمام الصادق (ع): "عاشر الخلق لله تعالى ولا تعاشرهم لنصيبك لأمر الدنيا ولطلب الجاه والرياء والسمعة". يدور أيضاً في هذا المحور الحب والبغض والتولي والتبري، فقد روي عن الإمام الصادق (ع) أيضاً: "إنّ من أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله وتعطي في الله وتمنع في الله". وبتعبير آخر فإنّ العلاقات الإنسانية في الإسلام "الكون مع الله في وسط الخلق، لا بدون الله مع الخلق" أو كما يقول الفلاسفة: "سفر إلى الخلق من الحقّ" وبعبارة أخرى: فإنّ الحياة الاجتماعية ليست الهدف بل وسيلة، والمجتمع الهادف ذلك الذي يعبد فيه الله. الاستفادة من الضمير: إضافة إلى عنصر الإيمان الذي هو المحور الأصلي للعلاقات، يمكن أيضاً الاستعانة بالضمير في تحسين العلاقات الإنسانية. وقد اهتمت الروايات إلى حد ما بهذا المطلب. يكتب عليّ (ع) في رسالته لولده الإمام الحسن (ع): "يا بني؛ إجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لها؛ ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن إلى جميع الناس كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك". الاعتماد على الضمير في التربية الإسلامية يتفاوت تفاوتاً أصولياً عما يطرح في المذاهب التربوية في الغرب، فالضمير الأخلاقي يطرح في المذاهب التربوية الغربية على أنّه الأصل الأساسي والأقوى للاعتماد عليه، في حال أنّ الضمير بدون إيمان وقاعدة اعتقاد لا ضمانة إجرائية له. أما في التربية الإسلامية فإنّ العامل الأصلي والأساسي للتربية هو الإيمان بالله، وأما الضمير فيستفاد منه على أساس أنّه عامل ثاني؛ لهذا فلا يمكن له بدون جذور اعتقادية أن يكون قاعدة محكمة في التربية والأخلاق. وعلى هذا الترتيب فإنّ ما اعتمد على أنّه القمة في التربية الغربية، هو في التربية الإسلامية في الحقيقة نقطة الحضيض. ويحتاج كلّ مذهب وكلّ نمط فكري اجتماعي إلى سلسلة من الأفكار المعنوية، ولهذا نقول: إنّ الأيديولوجية تحتاج إلى قيم ما فوق المادية، وهذه القيم يجب أن تكون قوية ومقتدرة بحيث تملك نوعاً من التقديس، وعلامة قدسية شيء ما هي أن يعتبره الإنسان مستحقاً لأن يفتديه بنفسه. والمقصود من العلاقات الإنسانية هو نوع من العلاقات يقوم بين أحد المسلمين وبين أبناء نوعه على أساس الحقوق وبلحاظ إنساني، بغض النظر عن اشتراكهم في العقيدة. وأصول هذه العلاقات عبارة عن حب الإنسانية مخفي في جهر الأديان الإلهية، وحب الإنسان هو أساس التربية الاجتماعية في الإسلام. إنّ من خصائص التربية الإسلامية أنّ الإنسان من حيث أنّه إنسان، وفي ضوء المحبة الإلهية ومن دون أيّة خصوصية أخرى يعتبر أنّ الهدف هو الخير والهداية والتربية. ويوجد في قانونه العملي سعادة الإنسان بشكل عام. بهذا اللحاظ يمكن القول إنّ الله يعتبر أنّ الناس بدون استثناء لائقون لكرامته وأمانته، وقد أرسل الأنبياء ليسعوا لهدايتهم، وهم أمام الله سواء ولا يميز أحدهم عن الآخر سوى مقدار اعتقادهم وعملهم إن كان حسناً أو سيئاً باختيارهم: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13)، وملاك الحب والبغض هو عمل الإنسان الحسن أو السيئ. بالالتفات إلى هذا الأصل فقد شبه الرسول (ص) الناس بأسنان المشط وأنّهم متساوون أمام الحقّ تعالى: "الناس كأسنان المشط والمرء كثير بأخيه". كما ينقل الإمام الصادق (ع) عن الرسول الأكرم (ص) قوله: قال الله عزّ وجل: "الخلق عيالي فأحبهم إلي ألطفهم بهم وأسعاهم في حوائجهم". فالسيرة العملية لأهل بيت النبيّ (ص) تظهر أيضاً أنّهم بترحمهم على المساكين وإيثاره على أنفسهم تجاوزا حد الاعتقاد، حتى أنّهم كانوا يتفقدون غير المسلمين، ومن الشواهد على ذلك سورة الدهر. إنّ المحبة للإنسان هي المحرك الأوسع، والعطف الإسلامي في إطار الهداية شمل كلّ فرد من البشر. فقد أرسل الله تعالى محمّداً (ص) رحمة للعالمين: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/ 107)، وكانت هذه الرحمة والرأفة عميقة إلى حد أنّ ضلال الناس كان يعذبه (ص) فيدعوه الله تعالى إلى تمالك نفسه ويقول: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (طه/ 1-2). من هنا أخذت رسالة الإسلام بعداً عالمياً، ووجب على المسلمين أن يسعوا إلى هداية وتربية كلّ الناس (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران/ 110). إنّ الأصل التوجيه والتربية دور أساسي في العلاقات الدولية والحرب والصلح أيضاً، حيث يريد الإسلام من فتح البلاد أن يعرفهم على الله وأن يربي الإنسان تربية إلهية وإنسانية. والهداية هي أعلى خدمة للإنسان، فهي سعي لإحيائه حياة معنوية أفضل بمراتب من الحياة المادية.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 150
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الأبعاد الرسالية لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)
 مسلم بن عقيل.. سفير القيم الفاضلة
 الحسين (عليه السلام).. تجسيداً حيّاً للقيم الإسلامية
 ملحمة عاشوراء.. إرث للبشريّة جمعاء
 أبرز أهداف النهضة الحسينية
 إن العهد كان مسؤولا
 آثار ونتائج النهضة الحسينية
 الشمولية الإنسانية في الثورة الحسينية
 الحسين (عليه السلام).. رمزُ الإباء
 العِبرة في قضية الإمام الحسين (عليه السلام)

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا