الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
أصالة العلاقات الاجتماعية

2016/08/19 | الکاتب : عمار كاظم


من نعم الله العظيمة على الإنسان، أن جعله اجتماعياً بالفطرة، ومن هنا جاءت تسميته بالإنسان، وهي من تأنّس، وتألّف، وضد توحّش، وعليه فإنّ الإنسانية تعني الاجتماع، والتآلف، والإلفة، وضد الوحشية، ولأنّ الله – سبحانه وتعالى – فطر الإنسان على الاجتماع، وحبه، فإنّه كرّس في كتابه الحكيم ضرورة الاجتماع مع عباده. وهكذا الحال بالنسبة لسنة الرسول الأعظم (ص)، وروايات أئمة أهل البيت (ع)، إذ نجد الكثير من الأحاديث والروايات الشريفة، التي تحث الإنسان على الاجتماع بالناس، وحسن المعاملة والعشرة معهم، والتودد لهم، ومعرفة طبيعتهم البشرية، وذكرهم بالحسن، وعدم التكلف معهم، باعتبار أنّ المعاملة لا تتم إلّا عن طريق الاتصال، وأنّ الاجتماع ميدان واسع لذلك الاتصال، وهو ساحة كبيرة لاختبار حكمة الناس، وعقلانيتهم، في التصرف، والسلوك الفردي، والاجتماعي. وبما أنّ الله تعالى فطر الإنسان على الاجتماع، والإلفة مع الناس، وخلق العلاقات الاجتماعية والصداقات معهم. فالجدير بالإنسان أن يعي الجانب الاجتماعي – في حياته – جيداً، لكي يتعامل مع الناس وفق الأسس الاجتماعية الإلهية، ليكون سعيداً في حياته، ومحبوباً بين بني البشر، وبالتالي مرضياً عند الله – سبحانه وتعالى – باعتبار أنّ الخلق هم عيال الله، والتآلف معهم، وخدمتهم، خدمة الله. أما الأهداف من الاجتماع فواضحة، فبه يتم التعاون بين الناس من أجل توفير متطلبات المعيشة، ومن أجل عمارة الأرض، وتبليغ رسالات الله. بل لولا الاجتماع لتعطلت مسيرة الحياة. ومن هنا كان التعامل مع الناس قضية ضرورية هامة، ولأنّها ضرورية، فهي يجب أن تكون تحت إمامة الدين والعقل والحكمة، لكي تأتي ثمرات التعامل بنّاءة ومثمرة. فإذا كان التعامل مع الناس بحكمة، قضية حياتية هامة باعتبار أنّ سعادة الإنسان لا تقاس بمفرده، وإنما بنجاحه في الاجتماع بالناس، فكيف نتعامل معهم؟ وفي الحقيقة لو أنّ الإنسان طبق المبادئ، والقيم الاجتماعية في الإسلام، لسعد في حياته مع الناس. ولو أنّه استفاد من عقله على الوجه الأصلح، لاكتشف بنفسه الطريقة الفنية والحسنة في تعامله معهم، باعتبار أنّ الحكمة هي العقل. وقواعد التعامل الحكيم مع الناس بالذوقيات المتعارف عليها ليس إلّا اهتداء بالرؤى الإسلامية، من القرآن، والأحاديث الشريفة، وروايات أهل البيت، وتذكيراً بها، وبدور العقل في توجيه التصرفات الإنسانية، وإقامتها، ووقايتها من اللاحكمة والجهل والانحراف. وكيف تتعامل مع الناس سؤال يمكن الإجابة عليه باختصار: أنّ المعاملة معهم يجب أن تقوم على أساس ما أمر الله به، واستخدام العقل على الوجه الأصلح. أما من حيث التفاصيل فهو سؤال واسع يشمل عدداً كبيراً من القضايا. يقول الله تعالى في القرآن الحكيم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13). ويقول الإمام علي (ع): "بحسن العشرة تدوم المودة". ويقول (ع) أيضاً: "بحسن العشرة تأنس الرفاق". بالإضافة إلى اهتمام الإسلام بالعلاقات الاجتماعية واحترامه لدورها في تكامل الإنسان فإنّه يقوم بتربية الروح الجماعية بقوالب وأصول ومعايير إلهية ويقوم أيضاً بترتيب هذه العلاقات في قالب "الإنسان والاعتقاد" وبإعطائه ملاكات؛ مثل خطاب: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ) (النساء/ 1)، فإنّه يلفت إلى الفطرة والبحث عن الله وحب النوع والتقوى، وخطاب: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) (آل عمران/ 64)، وفإنّه يدعو جميع أتباع الأديان الإلهية إلى تقبل أصول التوحيد المشتركة والابتعاد عن الشرك الذي هو نقطة البداية لاختلاف الناس، وبخطاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) يدعو المسلمين بشكل أوسع إلى واجباتهم الإيمانية والإسلامية. يعتبر الإسلام أنّ الإنسان مخلوق اجتماعي يتيسر تكامله على ضوء حياة جماعية، ومن هنا فإنّه يدعو الأفراد والمجتمعات إلى التضامن والوحدة المبنية على "التوحيد" ويربي الروح الجماعية حتى عن طريق عبادات مثل صلاة الجماعة والجمعة والحج، وعلى المستويات المختلفة الشعبية والعالمية ويهتم بوضع برامج محسوبة على المستويات الثقافية والسياسية والاقتصادية لتدبير وإدارة المجتمع، ويبشر بتشكيل حكومة إسلامية عالمية واحدة. وقد طرح الإسلام أيضاً حدوداً وشروطاً وأصولاً وضوابط من أجل العلاقات والتعامل الاجتماعي. إنّ الإسلام يدعو إلى التعارف، أي: إلى التجمُّع والتساكن وتبادل المنافع والمصالح والتعايش في أخذٍ وعطاء، وفي تأثُّرٍ وتأثيرٍ دائمين، بعيداً عن أية عصبيّةٍ جنسيّة، أو عنصريةٍ إقليميّة، أو نعرةٍ ثقافية. وهو بذلك لا يرى فضلاً لأحدٍ على الآخر إلّا بالتقوى. يقول عزّ وجلّ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13). والتقوى تعني طلب الوقاية التي هي الصيانة من كلّ ما قد يُصيبك من ضرر ومكروه، والحفظ منها والحصانة والمناعة. والتعارف يقتضي القدرة عليه، وأكثر ما تتمثّل فيه القدرة هو قبول الاختلاف في الرأي والمخالفة في العقيدة. إنّه ينطلق من أنّ الاختلاف كامنٌ في طبيعة الحياة وجبلّة الخلق؛ إذ أنّ الله تعالى خلق الكون وما فيه، ومن فيه على أساسٍ من الاختلاف البارز في التنوُّع والتعدُّد ممّا يتجلّى في مختلف الظواهر والمظاهر. يقول سبحانه: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأولِي الألْبَابِ) (آل عمران/ 190). إذا كانت الضرورة في كلّ عصرٍ تقتضي تقوية هذه الدعائم؛ فإنّها تبدو اليوم أكثر إلحاحاً؛ بسبب سوء فهم مدلول التعايش الحقّ - سواء بالنسبة للمسلمين أو لغيرهم - وما ترتّب عليه من تفريطٍ في شؤون الدين وابتعادٍ عنه في كثير من جوانب الحياة، وانحراف سلوك الأفراد والجماعات، وما نتج عن ذلك كلّه من ظروفٍ متأزّمة يعيشها المسلمون ومن يُساكنهم بفعل عوامل داخلية وخارجية. وهي تقتضي البدء بإصلاح الذات ومعالجة مشاكلها بما يقوِّي المجتمع بل المجتمعات الإسلامية في بنيانها الداخلي، ويجعلها قادرةً على الصمود ومواجهة كلّ التحديات والاعتداءات. إنّ العصر الحاضر هو عصر التواصل البشري، وعصر التحاور الثقافي، ويمكن القول إنّه قرن التدافع الثقافي. وهذا التوجه مهمٌّ ومفيد يلزم المسلمين استقباله، والتعامل معه بإيجابية وارتياح؛ لأنّ منهجية الحوار بالبيان والحكمة منطلقٌ أساسيٌّ في منهج القرآن الكريم وأدبيات الدعوة إلى قيم الإسلام، التزاماً بالتوجيه الرباني جلّ شأنه: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/ 125). المسلمون مطالبون بالسعي للحوار مع الناس بما يُحقّق وضوح الرؤية ويجمع الكلمة على المبادئ والقيم الربانية الخالدة. وهذا قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) (آل عمران/ 64). إنّ الإسلام يؤكّد: أنّ أساس دين الله تعالى يقوم على إقامة العدل بين الناس، وشيوع قيم الإحسان بينهم، والعمل على مكافحة الفحشاء والمنكر، ومحاربة البغي في حياتهم، وقد عظّم فقهاء الإسلام قيم العدل حتى جعلوه معياراً لنصرة الله وتأييده لأيّ ملّةٍ تقيمه، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل/ 90). المسلمون يعتقدون بمشروعية التدافع الإنساني، ويؤمنون بأنّ منهجية التدافع بين الناس القائمة على أساس التنافس في جلب المنافع ودرء المفاسد كفيلةٌ بتحقيق الحياة الأفضل لهم جميعاً، وتوفير الأمن والاستقرار، وصرف الفساد عن الأرض، وهذا مؤكّدٌ في قول الله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) (البقرة/ 251). ومن جهةٍ أخرى فإنّ التدافع بين الناس لجديرٌ بحماية حرّية الإنسان في معتقداتهم وأنماط حياتهم، وصيانة معابدهم على اختلاف مللهم، وهذا في قوله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا) (الحج/ 40).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 222
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية
 الإمام السجاد (عليه السلام).. مدرسة إسلامية متحركة
 الحسين (عليه السلام) وتلبية الأمر الإلهي
 الشباب.. الثروة الحقيقية للمجتمع
 الأمر بالعدل والإحسان
 اليوم العالمي للمعلم.. دعوة للشكر والعرفان
 الأهمية العالمية لمبدأ اللاعنف

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا