الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الإيمان والعدالة الاجتماعية

2016/08/19 | الکاتب : عمار كاظم


العدل العمومي هو العدل والإنصاف من جملة وأهم أصول العلاقات الإنسانية التي تحتضن كلّ أفراد البشر، تقول الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ) (النحل/ 90)، فهي تدعو بإطلاق وكلية إلى القانون والعدل وتحذر من الفحشاء والمنكر والعصيان والظلم. وكذلك الآية الكريمة: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة/ 8)، فإنّها تنبّه إلى أن لا تكون العداوة مع فريق بحيث تجعل المسلمين يخرجون عن العدل والإنصاف، فالعدالة شرط للتقوى والورع في العلاقات. روي عن عليّ (ع) "جعل الله العدل قواماً للأنام، وتنزيهاً عن المظالم والآثام، وتسنية للإسلام"، وقال في عهده (ع) لمالك الأشتر: "وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم فإنّهم صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق". والسيرة العملية لأمير المؤمنين (ع) شاهد صادق على تجسيم العدالة في نظام قيادته حتى أنّ غير المسلمين أطلقوا عليه (صوت العدالة الإنسانية). ومن ضمن تحقيق العدالة هو إيصال الحقوق الإنسانية الخاصة، إضافة إلى الحقوق العامة، هناك أيضاً مجموعة من الحقوق الإنسانية الخاصة، مثل حقّ الأب والأُم، حقّ الأقارب، حقّ الضيف، حقّ المعلم، حقّ المتعلم، وعن أبي عبد الله (ع) "أوصيك بتقوى الله وحسن الصحابة لمن صحبت". كما يوصي الله تعالى في القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين حتى لو كانا غير مسلمين (وَوَصَّيْنَا الإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا) (العنكبوت/ 8)، (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) (لقمان/ 15). ولحقّ الأُم أهمية أكثر، فقد روي أنّ الإمام الصادق (ع) أوصى شاباً نصرانياً كان قد أسلم بالاهتمام بأُمّه المريضة والضريرة، فكانت نتيجة معاملة ابنها المحبة لها أنّها قد أسلمت وهي على فراش الموت. ويوجد روايات كثيرة أيضاً في حقّ المعلم والمتعلم من جملتها ما روي عن رسول الله (ص): "احترموا من تتعلموا منه وتعلموه". وقد تحدث الإمام عليّ بن الحسين (ع) في رسالته في الحقوق بتفصيل في بيان حقّ المعلم والمتعلم. ويروى أنّ أمير المؤمنين (ع) صاحب رجلاً ذمياً فقال له الذميّ: أين تريد يا عبد الله؟ فقال أريد الكوفة؛ فلما عدل الطريق عدل معه أمير المؤمنين (ع)، فقال له الذمي: ألست زعمت أنك تريد الكوفة؟ فقال له: بلى. فقال له الذمي: فقد تركت الطريق، فقال له (ع): قد علمت. قال فلم عدلت معي وقد علمت ذلك؟ فقال له أمير المؤمنين (ع): "هذا من تمام الصحبة أن يشيّع الرجل صاحبه هنيئة إذا فارقه وكذلك أمرنا نبينا (ص)". فقال له الذميّ: هكذا قال؟ قال: نعم. قال الذميّ: لا جرم، إنما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة، فأنا أشهد أني على دينك. ورجع الذمي مع أمير المؤمنين (ع) فلما عرفه أسلم. وروي عن عليّ (ع) عن حقوق الجيران: "الله الله في جيرانكم فإنّهم وصية نبيّكم وما زال رسول الله (ص) يوصي بهم حتى ظننّا أنّه سيورثهم". وقد نُقل عن الرسول الأكرم (ص): "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع"، وعن الإمام الصادق (ع): "اعلموا أنّه ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره". إنّ من البديهي أنّ الأب والأُم والمعلم والمتعلم والجار ورفيق السفر و.. إذا كانوا مسلمين ومؤمنين فسوف تتضاعف هذه الحقوق وسوف يكون لها أهمية أكبر. وحسن الأخلاق والمعاشرة من الأمور الأخرى التي أوصى بها الإسلام كلّ الناس. ونُقل عن رسول الله (ص) ما مضمونه: "لا تستطيعون أن تغطوا الناس بأموالكم، إذن غطوهم بأخلاقكم". إنّ من الآداب العامة الترحم والعفو والنصح والصدق والإحسان والتعاون والأمانة والوفاء بالعهد والمداراة والمسالمة وأمثالها التي تنضوي تحت مبدأ العدالة. وروي عن رسول الله (ص): "إنّ أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه في النصيحة لخلقه". وروي عن عليّ (ع): "من لم يرحم الناس منعه الله تعالى رحمته". وروي عن الإمام الباقر (ع): "ثلاث لم يجعل الله لأحد فيهن رخصة، أداء الأمانة إلى البر والفاجر والوفاء بالعهد للبر والفاجر وبر الوالدين برين كانا أو فاجرين". مداراة الناس ومسالمتهم من الخصال الأخلاقية التي كان رسول الله (ص) يمارسها حتى مع مَن يخالفه ويقول ما مضمونه: "أمرت بمداراة الناس كما أمرت بتبليغ الرسالة". لقد كانت هذه الخصلة الأخلاقية الممدوحة من عامل التقدم السريع للإسلام وكانت تجذب الناس لتقبل الدين، وقد مدح الله تعالى رسوله بهذا الخُلُق وهذه الخصلة فخاطبه قائلاً: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم/ 4). نعم، إنّ العلاقات الإيمانية أرفع من العلاقات الإنسانية لأنّها تؤدي إلى تحقيق العدالة بلا شك، ففي هذا النوع من العلاقة فإنّ الروح الحاكمة على كلّ المجتمع الإسلامي هي المودة والمحبة القلبية العميقة: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة/ 71). روي عن الرسول الأكرم (ص): "ود المؤمن في الله من أعظم شعب الإيمان". وعندما كان النبيّ الأعظم (ص) يعبئ جيشه قبل معركة أُحد ألقى خطبة قال فيها: "المؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى إليه سائر جسده". فكلما كانت روح المودة حاكمة على المجتمع الإسلامي، كلما ظهر ذلك عملياً في العلاقات الاجتماعية في العطف والرحمة والعدالة. روي عن الإمام الصادق (ع) "يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف والمواساة لأهل الحاجة وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله عزّ وجلّ: رحماء بينهم". يوجد أيضاً في الروايات وصايا من أجل تثبيت المحبة، والإمام الباقر (ع) يدعو المؤمنين إلى الألفة والعطف "يا معشر المؤمنين تألفوا وتعاطفوا"، ويذكر الرسول (ص) أنّ حسن الخلق والمحبة المتبادلة تثبّت المودة، وقد ذكروا من صفات عليّ أمير المؤمنين (ع) أنّه كان حلو الحديث جاذباً للمحبة. ودعي المسلمون إلى الاعتصام بحبل الله الذي هو الإيمان رمز المودة والوحدة، والحذر مما يسبب التفرق والاختلاف، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران/ 103). إضافة إلى الآثار الفردية للفضائل والرذائل الأخلاقية فإنّ لها دور مؤثر في العلاقات الاجتماعية أيضاً، ويمكن أن تكون التوصية بالفضائل والتحذير من الرذائل عاملاً في إحكام العلاقات الاجتماعية. كما أنّ الإسلام قد وبخ أيضاً على العداوة والحقد والحسد والغيبة والخيانة وخُلف الوعد والغش والاحتيال وسائر الصفات الذميمة التي هي من عوامل تكدير العلاقات.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 323
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا