الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الحج.. دورة تدريبية كبرى للبشرية

2016/08/19 | الکاتب : عمار كاظم


الحج هو دورة تدريبية كبرى للبشرية لتدريبها على العمل بأوامر الله، والتخلق بأخلاقه، والتصديق بكلمته، والسير على منهج أنبيائه، وإحراز الأرباح في متجر عبادته. كان للحج، فريضةً ومناسبةً ومكاناً، وما يزال، أهمية خاصة في حياة المسلمين الدينية والروحية، بل وفي شؤون حياتهم العامة الأخرى.. كيف لا، "ففريضة" الحج بأبعادها المختلفة، لها طابع الحديث في حياة الإنسان، كونه يؤديها واجبة – مع توفر شروطها – مرّة واحدة في العمر، أما تكرارها والاستزادة منها استحباباً وتطوعاً، فأمر مؤكد عليه ومرغوب فيه شرعاً. وهي فريضة تختصر وتتضمن كثيراً من معاني ومقاصد وأعمال العبادات والفرائض والسنن الأخرى.. فهي إذاً فريضة جامعة أولاها الإسلام أهمية قصوى، لأنها كفيلة بإعادة صياغة وتثبيت المحتوى الإيماني الحقيقي للإنسان المؤمن، إذا ما راعى تطبيق أعمالها وموجباتها بالشكل الصححيح، كما في الحديث الشريف: "من حجّ لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه".

وتتميّز هذه الدورة التدريبية الكبرى بميزات فريدة، فهي دورة عالمية تشترك فيها كلّ الشعوب. تتناول أهم القضايا في حياة الإنسان وسيرته الحضارية فتركزها. دورة يقوم بها الناس بإرادتهم واختيارهم بأداء شعائر خُطِّطَ لها تخطيطاً دقيقاً. تشترك في إنجاحها الدوافع النفسية والذكريات التاريخية المتمثلة بالأمكنة المقدسة، والزمان المقدس لأنها تقع في الشهر الحرام. وما أن يتم الناس القيام بشؤون هذه الدورة حتى يعلن العيد عيد الانتصار على كلّ نوازع الظلم، والفوز بكل محققات الكمال. فالحج أكبر فرصة تتاح كي تلتقي فيها كلّ أجنحة العالم الإسلامي؛ فتتقارب مستوياتها الثقافية، ويتعرف كلّ جناح على مشاكل الأجنحة الأخرى، وتعقد المحادثات والمداولات بينهم، فالحج أكبر مؤتمر إسلامي عام. كما أنّ الحج فرصة مغتنمة جدّاً لتوعية المسلمين على إسلامهم ونظمه وقوانينه وفضح شبهات أعدائه ومخططاتهم العامة. إنّ من يعيش عملية الحج يدرك حساً الدور العالمي العظيم الذي يستطيع الإسلام القيام به فيتأصل في نفسه الشعور بعظمة الإسلام. ويمكننا أن نقول إنّ هذا هو ما يشير إليه وصف الحج بأنّه (علم الإسلام) حيث يقول أمير المؤمنين (ع): "وجعله سبحانه وتعالى للإسلام علماً". وفي الرواية عن النبيّ (ص) قال رسول الله (ص): للحج والمعتمر إحدى ثلاث خصال: إما يقال له: قد غفر لك ما مضى، وإما أن يقال له: قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل، وإما أن يقال له: قد حُفِظتَ في أهلك وولدك وهي أخسّهن. وواضح ما لجو التوبة من تأثير على رسوخها في النفس والتزام النفس بمقتضياتها.

وهكذا نجد أنّ قيمة البيت الحرام هي في أنّ الإنسان الذي بناه كان يعيش كلّ معنى الروحانية التي أفاضها على البيت حتى يعيش هذا البيت في كلِّ مداه كلّ هذه الروحانية التي أراد الله للناس أن يغرفوا منها وأن يعيشوها بكلِّ معانيها.

وهكذا رأينا كيف أنّ الله سبحانه وتعالى بعد أن بنى إبراهيم البيت وأراد لهذا البيت أن يكون البيت العالميّ، قال الله سبحانه وتعالى في آية سابقة (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة) وبكة هي لغة في مكة (.. مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ) (آل عمران/ 96)، فالله أنزل فيه البركة وأراد للناس أن يهتدوا به (فيه آيات بيّنات) مما حشده الله سبحانه وتعالى فيه من آياته (مقام إبراهيم ومن دخله كان آمناً ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا). وهكذا أراد الله من إبراهيم (ع) أن يبدأ النداء إلى الحج (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج/ 27)، (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ...) (الحج/ 28)، باعتبار أنّ الله سبحانه وتعالى يريد للناس أن يجعلوا من الحج ساحة منفعة لهم، فقد تكون المنفعة في الجوانب العبادية وهي الأساس، وقد تكون في الجوانب الثقافية التي يلتقون فيها ليعطي كلّ واحد منهم ثقافته للآخر أو في الجوانب الاقتصادية أو السياسية أو ما إلى ذلك حيث انّه المجمع العالمي الذي يلتقي فيه الناس من الشرق والغرب ليتعارفوا ولينتفعوا من خلال هذا التعارف وهذا الترابط الذي يمكن أن يؤدي إلى نتائج كبيرة على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي والروحي والعبادي.

والحج "كمناسبة"، ليس أكثر منه عطاءً ودروساً وعناصر قوّة في حياة المسلمين، إذا ما أمكن الافادة منه ومن دوره كما شاء له الإسلام ذلك: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) (الحج/ 28)، فمناسبة الحج تجمع سنوياً أعداداً  كبيرة من المسلمين، من جميع الأقطار والأجناس والمستويات والمذاهب، ما كان لهم ليجتمعوا ويتلاقوا في أي مكان آخر ولا لأي هدف آخر، فيعيشون في الحجّ أياماً غامرة موحَّدين في اهتماماتهم ومناسكهم ومظاهرهم، متقاربين في مشاعرهم وعواطفهم، بدون حواجز سوى الحواجز المصطنعة الموضوعة في طريق وحدتهم وتكاملهم.

 وكلّ مسلم يعيش إسلامه ويعي دور الدين في حياته وحياة أمّته، عندما يحظى بحجّ بيت الله الحرام، ومن ثمّ بزيارة النبي الأعظم (ص)، يدرك عن قرب وبصفاء عظمة الحجّ، فيما تنطوي عليه فريضته من معانٍ ومقاصد سامية، وفيما يجلّل مكانه من قداسة ويشكّله من عامل جذب للنفوس المتشوّقة، وفيما توفّره المناسبة الفريد من أجواء الإيمان والتعارف والتقارب التي لا يمكن أن توجد في غيرها.

وبما أنّ الوحدة هي الكفيلة لحفظ كيان الأُمّة وتماسكها، وترسيخ وجودها، وتثبيت أقدامها.. وبأنّ التوحّد والترابط، والتآلف والتماسك، هي مصدر القوّة والغلبة، ومنبع القدرة والمنعة.. وأنّ القوّة أمر ضروري لحفظ الشرائع والمبادئ.. والوحدة مصدر قوّة.. فإنّ الحجّ أفضل مكان لتعارف الشعوب الإسلامية، حيث يتعرّف المسلمون على إخوانهم وأخواتهم في الدين من شتّى أنحاء العالم، ويتلقون مع بعضهم في البيت الذي به كلّ المجتمعات الإسلامية وأتباع إبراهيم الحنيف.. وبنبذهم ما يمايزهم من اللون والقومية.. والأصل.. يعودون إلى أرضهم وبيتهم الأوّل.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 141
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا