الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الرقيق وحقّ الحرية

2016/08/25 | الکاتب : عمار كاظم


﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، وأحيانًا يخاطب الإنسان بالعبودية ﴿يَا عِبَادِي﴾، ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾. ربما يقال هنا بأنّ الله عزّ وجلّ إذا خاطب الإنسان بعنوانه فهذا الخطاب فيه تكريمٌ للإنسان؛ لأنه يحسّس الإنسان بإنسانيته، يحسّس الإنسان بأن له شخصية مستقلة يخاطَب بها، بخلاف إذا ما قال: يا عبادي؛ فإنّ في هذا الخطاب احتقاراً واستصغاراً للإنسان، لأنّه يخاطبه بما أنّه عبد، يخاطبه بما أنّه مملوك، بينما الخطاب الأول «يا أيها الإنسان، يا أيها الناس» فيه إشعار بأنّ للإنسان شخصية مستقلة يخاطَب بها، بخلاف إذا ما قال: «يا عبادي، يا عبدي»، فإنّ في هذا احتقار واستصغارا لشخصية الإنسان، فكيف يصدر من الله عزّ وجلّ مثل هذا الخطاب الذي يتضمّن استصغاراً واحتقاراً للإنسان؟! هذا هو السؤال المطروح، فما هو الجواب عن ذلك؟

السر في تغيير الخطاب، أنّ الله تارة يقول له: يا أيها الإنسان، يشعره بإنسانيته، يا أيها الناس، تارة يخاطبه يا بني آدم، يشعره بأصله، أنّك ترجع لآدم، وتارة يخاطبه بهذا اللفظ: يا عبادي، هل في هذا الخطاب استصغار واحتقار للإنسان أم لا؟ نقول: لا، هذا الخطاب - الخطاب بالعبودية - للإشارة إلى أمرين:

1-    لله سبحانه حقّ الطاعة لأنّه المالك، فليس لإنسان على إنسان حقّ الطاعة، أما الله بما أنّه الخالق إذن هو المالك، وبما أنّه المالك إذن ليس للمملوك أن يتصرف إلّا بإذن مالكه، لا تستطيع أن تتصرف حتى في نفسك، لو قال إنسان: والله أنا أريد أن انتحر واتخلص من نفسي! نفسك ليست ملكاً لك، نفسك ملك لله، نفسك، مشاعرك، أنفاسك، كلّ شؤونك، ليست ملكاً لك، ملكٌ لله عزّ وجلّ، وليس للمملوك أن يتصرف إلّا بإذن مالكه. إذن، هذه الآيات التي تتلفظ بالعبودية تريد أن تنبهك على مبدأ حقّ الطاعة، لأنّك عبد - أي: لأنّك مملوك - عليك أن تطيع، ﴿يَا عِبَادِي﴾ يا مماليك، ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾ المملوكون، فعندما تعبّر الآيات القرآنية بالعباد فهذا يعني بما أنّهم مملوكون لي لأنّني أنا الذي خلقتهم فلذلك ثبت لي حقّ الطاعة عليهم، فلأجل التنبيه على مبدأ حقّ الطاعة عبّر بهذا اللفظ، عبادي وعبدي.

2-    تحرّر من عبودتين، هناك عبوديتان ثقيلتان على الإنسان: عبودية الهوى، الإنسان عبد هواه، ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، يعبد هواه بدل أن يعبد مالكه الحقيقي، هواه يملكه، هواه يسيطر عليه، هواه هو الذي يأسره، تحرّر من عبودية الهوى وإلّا فأنت عبد. في بعض لجان حقوق الإنسان، يقول لك: هذا الإنسان لا بد أن يتحرر من كلّ عبودية، لكنهم لا ينصّون على التحرّر من عبودية النفس والهوى والغرائز، وهي أعظم عبودية من أي عبودية أخرى، إذن عندما ننادي كيف يعاملنا الله ويخاطبنا بخطاب العبودية؟ هو يخاطبك بخطاب العبودية ليذكّرك بأنّك لستَ عبداً لغيره، فلستَ عبداً لهواك ولا لغرائزك ولا لنفسك الأمارة بالسوء.

والعبودية الثانية: عبودية الإنسان للإنسان. أحياناً يصل بالإنسان أن يكون عبداً لإنسان آخر، نتيجة خضوعه له، أحياناً خضوع المرؤوس للرئيس يصل إلى حد أن يكون عبداً ذليلاً بين يديه، وهذه العبودية أيضاً عبودية مبغوضة، عبودية منبوذة، تتنافى مع حرّية الإنسان وكرامة الإنسان، كرامة الإنسان في أن يتحرر من كلّ عبودية، وأن يرجع إلى واقعه الذي هو فيه، وواقعه وحقيقته أنّه عبدٌ لله فقط وليس لغيره.

إذا كان الله ينادي الإنسان بأن يتحرّر من كلّ عبودية، وهو القائل عزّ وجلّ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وكرامة ابن آدم أن يتحرر من كلّ عبودية، فلماذا أمضى الإسلام ظاهرة الرق؟ ظاهرة الرق التي كانت سابقة على الإسلام، الإسلام ما أبدع ظاهرة الرق، هي موجودة، ظاهرة الرقيق أن يملك الإنسانُ الإنسانَ، يصبح الإنسان مملوكاً لإنسان آخر، يبيعه، يشتريه، يهبه، ظاهرة الرق سبقت الإسلام، لكن الإسلام أمضاها، الإسلام ما رفع ظاهرة الرق، هذا يتنافى مع آيات القرآن، إذا كان القرآن ينادي الإنسان بأن يتحرّر من كلّ عبودية، وألا يعترف بعبودية إلّا عبوديته لله عز وجل، فلماذا أمضى الإسلام ظاهرة الرق؟ ألا يتنافى هذا مع نداء القرآن بتحرير الإنسان من كلّ عبودية؟

أو فقل بعبارة أخرى: نحن عندما نقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، الله أعطى الإنسان كرامة، وفي آية أخرى يقول: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا﴾، كيف يجتمعان؟ أنت من جهة تقول للإنسان كرامة، ومن جهة أخرى تمضي ظاهرة الرق؟! أنت من جهة تقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، ومن جهة أخرى تقول: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾، العبد يمكن تزويجه، يمكن للحر أن يتزوج أمة، من جهة للإنسان كرامة، ومن جهة الرق معترف به من قِبَل الإسلام، فكيف يجتمعان؟! هذا السؤال أيضاً يحتاج إلى جواب.

كيف تعامل الإسلام مع الرقيق بعد أن صاروا مسلمين؟ يفطر الإنسان متعمداً فتكون كفارته عتق رقبة، يقتل قتلاً خطئياً فيعتق رقبة، كفارة العهد عتق رقبة، الإسلام وضع عدة كفارات هي عتق الرقاب؛ تشجيعاً على تقليل هذه الظاهرة وتهذيبها. بل أعظم من ذلك: الإسلام رفع بعض المماليك، جعلهم من علية القوم، عمار بن ياسر كان مملوكاً، صار من أجلّ أصحاب النبيّ، «يا عمار، تقتلك الفئة الباغية، وآخر شرابك من الدنيا ضياحٌ من لبنٍ»، عمار بن ياسر كان مثلاً أعلى عند المسلمين للصدق، للأمانة، للوفاء بالعهد، وهو كان زنجياً، كان عبداً مملوكاً، لكنّه لما أسلم رفعه الإسلام، وجعله من علية القوم، ومن أجلّ أصحاب رسول الله بلال بن رباح الحبشي مؤذن رسول الله.

 بل وأعظم من ذلك: أُمهات الأئمة من الجواري، من الإمام زين العابدين (ع) ما عدا الإمام الباقر (ع)، أُم الإمام الباقر (ع) هي فاطمة بنت الإمام الحسن، ولذلك الإمام الباقر (ع) من هاشميين، هو يرجع لهاشم من الأُم ومن الأب، أبوه الإمام زين العابدين (ع)، أُمه فاطمة بنت الحسن ، ولذلك يقال: الأئمة هم أبناء الحسين (ع) وأبناء الحسن (ع) أيضاً، الأئمة ليسوا من ذرية الحسين فقط، بل من ذرية الحسن، لأنّه من الإمام الباقر وحتى الإمام المنتظر (ع) كلّهم من ذرية الإمام الحسن عن طريق الأُم، فهم أبناء الحسين وأبناء الحسن أيضاً. بعد الإمام الباقر، أُم الإمام الصادق والكاظم والرضا والجواد والهادي والعسكري والمهدي (عليهم السلام)، أُمهاتهم جوارٍ، كن أرقاء جواريَ، دخلن الإسلام، فتزوجهن الأئمة، وأصبحوا أُمهات لأئمة معصومين. نرجس جارية، وأصبحت أُمّاً لخاتم الأوصياء، قائم آل محمد، فأي إكرام أعظم من هذا الإكرام؟!.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 140
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته
 من وصية الإمام الصادق (ع) لصاحبة النجيب زيد الشحّام

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا