الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
العلاقات الصالحة في المجتمع

2016/08/25 | الکاتب : عمار كاظم


الأخوة والمؤاخاة من الخصائص المهمة للعلاقات الإيمانية التي تسعى التربية الإسلامية لتحقيقها، وقد ذكرها القرآن الكريم: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات/ 10). وينقل المؤرخون أنّ أوّل عمل قام به الرسول (ص) في السنة الأولى للهجرة، ومن أجل تحكيم العلاقات في المجتمع الإسلامي الحديث البناء هو مؤاخاة المهاجرين مع الأنصار، وكانت هذه المؤاخاة عميقة وتوسعت حتى وصلت إلى درجة أنّ أهل المدينة كانوا يقضون الليل في العبادة وتلاوة القرآن وفي النهار كانوا يعملون في جمع الحطب ويحضرون بثمنه طعاماً لأهل "الصفة"، ويوجد في التأريخ نماذج كثيرة لهذا. روي عن عليّ (ع): "أعجز الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجز منه مَن ضيّع من ظفر به منهم". ويعدد الإمام الصادق (ع) آثار هذا التآخي ومن جملتها "المؤمن أخو المؤمن، عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشه ولا يعده عدة فيخلفه". ولكي تتكوّن العلاقات بشكل سليم فيجب تحمل المسؤولية الاجتماعية بما يتضمن حمل المسؤولية في المجتمع الإسلامي القضايا المادّية والقضايا المعنوية، وتكمن أهميتها في أنّها اعتبرت واجباً متبادلاً بين جميع أفراد المجتمع: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". وعلى هذا الأساس فإنّ أفراد المجتمع الإسلامي يجب أن يحملوا هم بعضهم ويعاونوا بعضهم في القضايا المادّية والمعنوية والمصالح المشتركة ويسعوا إلى التعامل في حل المشكلات بروح المسؤولية. يروى عن الرسول الأكرم (ص): "مَن أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم". وفي كتاب لعليّ بن أبي طالب (ع) لعثمان بن حنيف عامله على البصرة: "ولو شئت لاهتديت إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الأطعمة ولعلّ بالحجاز أو اليمامة مَن لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع". ومن الواجب معرفة أنّ تصادم الأفكار وتضاربها من عوامل النمو الفكري والوصول إلى رأي صائب، وعلى هذا كان ذلك محل اهتمام في الإسلام وقد أوصى به في العلاقات الاجتماعية: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى/ 38)، و(وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ) (آل عمران/ 159). يقول عليّ (ع): "مَن استبد برأيه هلك، ومَن شاور الرجال شاركها في عقولها". ومن ناحية أخرى يجب على أصحاب الرأي والفكر الصائب أن لا يقصروا في النصيحة وحب الخير وأن يقولوا كلام الحقّ والموجِّه حتى لقادتهم. روي عن الرسول الأكرم (ص) من خطبة له في مسجد الخيف "ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصيحة لأئمة المسلمين واللزوم لجماعتهم". واعتبر الإمام الصادق (ع) أنّ نصيحة المؤمن حقّ واجب في عنق المؤمن: "يجب للمؤمن على المؤمن أن يناصحه". ومن التوصيات الأخلاقية لتكوين علاقات ناجحة سليمة صالحة هي:

1-    السلام والمصافحة: كتبوا في سيرة النبيّ الأكرم أنّه كان يسلم على الكبير والصغير. وروي عن الإمام الحسين (ع) "من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه". وكتبوا من السجايا الأخلاقية للرسول الأكرم (ص) أنّه كان حينما يصافح رجلاً فإنّه (ص) لم يكن يترك يده من يده حتى يكون هو التارك.

2-    الاحترام والعطف: روي عن الإمام الصادق (ع) بخصوص احترام الكبار والعطف على الصغار: "ليس منا من لم يوقّر كبيرنا ويرحم صغيرنا". وقال في رواية أخرى: "ثلاثة لا يجهل حقهم إلّا منافق معروف بالنفاق: ذو الشيبة في الإسلام وحامل القرآن والإمام العادل".

3-    مساعدة الفقراء: روي عن الرسول الأكرم (ص): "ما من أهل قرية يبيتوا وفيهم جائع ينظر الله إليهم يوم القيامة".

4-    الماوساة والإيثار: إنّ أفضل نوع من العلاقة بين المسلمين هو "المواساة" وأفضل منه "الإيثار". والمواساة هي أن يعتبر الشخص أنّ إخوانه المسلمين كنفسه، وأنّ لهم الحقّ في أن يساعدهم بكلّ الإمكانات لرفع حاجاتهم وحل مشاكلهم، و"الإيثار" أن يقدم المرء الآخرين على نفسه: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) (الحشر/ 9). سُئل الإمام الرضا (ع) عن حقّ المؤمن على المؤمن فقال: "من حقّ المؤمن على المؤمن المودة في صدره والمواساة في ماله وأن يحترم غيبته ولا يدع نصرته على عدوه".

5-    إسعاد المؤمن: إنّ إدخال السرور على قلب المؤمن من التوصيات الأخلاقية الأخرى لأهل البيت (عليهم السلام)، ينقل الإمام الحسين (ع) عن الرسول الأكرم (ص): "من أحب الأعمال إلى الله عزّ وجلّ بعد الصلاة إدخال السرور على أخيه المؤمن".

إنّ فلسفة العلاقات في الإسلام هي تحقق الأهداف الإلهية والإنسانية، والتولي والتبري مبتنيان على هذه الفلسفة. ومن هنا، فكلما سببت هذه العلاقات تضعيفاً في جبهة الحقّ أو كانت من قبيل العلاقة بين الظالم والمظلوم أو سببت في انتقال الخُلُق والعادات السيئة للآخرين فعندها يجب الاحتراز عنها، وآيات سورة براءة في القرآن والتوصيات في الروايات بقطع العلاقة تشمل هذه الموارد. يقول القرآن في خطابه إلى المسلمين: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة/ 57). وبناءً على ذلك، يمنع اتخاذ الذين يقفون موقفاً عدائياً للحقّ تعالى أصدقاء، حتى ولو كانوا أباً أو أماً أو أخاً أو أقارب للفرد. وقد أشير أيضاً في الروايات إلى فلسفة قطع العلاقة وآثارها الفردية والاجتماعية. قال عليّ (ع): "إياك ومعاشرة الأشرار فإنّهم كالنار مباشرتها تحرق"، وبهذا اللحاظ وضعت حدود للتربية الاجتماعية في الإسلام بين المسلمين وغير المسلمين، وبين المؤمن والفاسق، والصالح والطالح، حيث تبقى حرمة الأخلاق والمحيط الاجتماعي مصونة من سريان الفساد. ويروى عن الإمام عليّ (ع) "لا ينبغي للمرء المسلم أن يؤاخي الفاجر ولا الأحمق ولا الكذاب". إضافة إلى الأثر الأخلاقي لهذه العلاقات فإنّ الشرف الإسلامي للمسلمين هو أيضاً عرضة للخطر، ولذا روي عن الإمام الصادق (ع) "لا تصحبوا أهل البدع ولا تجالسوهم فتصيروا عند الناس كواحد منهم، قال رسول الله (ص) المرء على دين خليله وقرينه". ومن الجدير بالذكر أنّ قطع العلاقة في التربية الإسلامية، مثل العلاقة الإيمانية، له جذور قلبية ينتقل أثرها إلى المجتمع. وهو التولي التبري الذي ذكر في الروايات على أنّه حقيقة الدين. وروي عن الإمام الصادق (ع) بخصوصه: "هل الدين إلّا الحب والبغض"، وهذه من التمهيدات الجذرية في الإسلام في تربية العناصر الصالحة، وهي تدعوهم إلى النفور القلبي من العناصر الفاسدة والمُفسدة، وتقفل أمامهم طريق النفوذ الزائد للفساد عن طريق القلب.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 179
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 تنمية الحوار عند الشباب
 الوعي بدور العاملين في المجال الإنساني ومساندتهم
 تجسيد معاني الوحدة في فريضة الحج
 دحو الأرض.. يوم مبارك وواقعة جليلة
 المروءة في شخصية الإمام الجواد (ع)
 اليوم العالمي للعمل الإنساني
 إضاءات من شخصية الإمام الجواد (ع)
 دعوة إلى التكاتف والتآلف والوحدة
 الزهد من كمالات الأخلاق
 البعد الروحي في فريضة الحج

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا