الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
كرامة الإنسان وتجارة الرقيق

2016/08/25 | الکاتب : عمار كاظم


الرق في الإسلام مختلف تماماً عن باقي الديانات، وإذا ما قورن كذلك بما عليه حال الرق حين مجيء الإسلام. يقرر الإسلام أنّ الله عزّ وجلّ خلق الإنسان كامل المسؤولية وكلفه بالتكاليف الشرعية ورتب عليها الثواب والعقاب على أساس من إرادته واختياره .ولا يملك أحد من البشر تقييد هذه الإرادة، أو سلب ذلك الاختيار بغير حقّ، ومن اجترأ على ذلك فهو ظالم جائر .هذا مبدأ ظاهر من مبادئ الإسلام في هذا الباب وحينما يثار التساؤل: كيف أباح الإسلام الرق؟

نقول بكل قوة وبغير استحياء: إنّ الرق مباح في الإسلام، ولكن نظرة الإنصاف مع التجرد وقصد الحقّ توجب النظر في دقائق أحكام الرق في الإسلام من حيث مصدره وأسبابه ثم كيفية معاملة الرقيق ومساواته في الحقوق والواجبات للحر وطرق كسب الحرية وكثرة أبوابها في الشريعة، مع الأخذ في الاعتبار نوع الاسترقاق الجديد في هذا العالم المتدثر بدثار الحضارة والعصرية والتقدمية .لقد جاء الإسلام وللرق أسباب كثيرة، منها: الحروب، المدين إذا عجز عن الدين، يكون رقيقاً، السطو والخطف، الفقر والحاجة .وما انتشر الرق ذلك الانتشار الرهيب في قارات الدنيا إلّا عن طريق هذا الاختطاف، بل كان المصدر الأعظم في أوربا وأمريكا في القرون الأخيرة .والإسلام يقف بنصوصه من هذا موقفاً حازماً حاسماً، جاء في حديث قدسي: قال الله تعالى: (ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كُنْتُ خَصْمَهُ خَصَمْتُهُ، ذكر منهم: رَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ). ومن الطريف أنّك لا تجد في نصوص القرآن والسنة نصاً يأمر بالاسترقاق، بينما تحفل آيات القرآن وأحاديث الرسول (ص) بالعشرات من النصوص الداعية إلى العتق والتحرير. كانت مصادر الرق ومنابعه كثيرة عند ظهور الإسلام، بينما طرق التحرر ووسائله تكاد تكون معدومة، فقلب الإسلام في تشريعاته النظرة فأكثر من أسباب الحرية، وسَدَّ مسالك الاسترقاق، ووضع من الوصايا ما يسد تلك المسالك .فقد حصر الإسلام مصادر الرق التي كانت قبل الرسالة المحمّدية في مصدر واحد فقط وهو: رق الحرب الذي يفرض على الأسرى من الكفار وكذا على نسائهم وأولادهم .ولقد كان الأسر في الحروب من أظهر مظاهر الاسترقاق، وكلّ حرب لابدّ فيها من أسرى، وكان العرف السائد يومئذ أنّ الأسرى لا حرمة لهم ولا حقّ، وهم بين أمرين إمّا القتل وإمّا الرق، ولكن جاء الإسلام ليضيف خيارين آخرين: المن والفداء، قال الله تعالى: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) (محمّد/4) .ففي غزوة بدر أخذ النبيّ (ص) الفداء من أسرى المشركين وأطلق سراحهم، وأطلق الرسول (ص) كثيراً من الأسرى في غزواته مجاناً، منَّ عليهم من غير فداء، وفي فتح مكة قيل لأهل مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء". فالإسلام ليس متعطشاً لدماء الأسرى، بل ولا متعطشاً حتى لاسترقاقهم .ومن هذا تدرك الصورة المحدودة والمسالك الضيقة التي يلجأ إليها في الرق، وهو لم يلغه بالكلية، لأنّ هذا الأسير الكافر المناوئ للحقّ والعدل كان ظالماً، أو معيناً على ظلم، أو أداة في تنفيذه أو إقراره، فكانت حرّيته فرصة لفشو الطغيان والاستعلاء على الآخرين، والوقوف في وجه الحقّ، ومنعه من الوصول إلى الناس

 .إنّ الحرية حقّ أصيل للإنسان، ولا يسلب امرؤ هذا الحقّ إلّا لعارض نزل به، والإسلام -عندما قبل الرق في الحدود التي أوضحناها- فهو قيّد على إنسان استغلَّ حرّيته أسوأ استغلال.. فإذا سقط أسيراً إثر حرب عدوان انهزم فيها، فإنّ إمساكه بمعروف مدة أسره تصرف سليم .ومع كلّ هذا فإنّ فرصة استعادة الحرّية لهذا وأمثاله في الإسلام كثيرة وواسعة .كما أنّ قواعد معاملة الرقيق في الإسلام تجمع بين العدالة والإحسان والرحمة. وهذا ما كان وما زال الإسلام يحمله في طياته لحفظ كرامة الإنسان التي هي غاية الإسلام أوّلاً وأخيراً.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 304
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية
 الإمام السجاد (عليه السلام).. مدرسة إسلامية متحركة
 الحسين (عليه السلام) وتلبية الأمر الإلهي
 الشباب.. الثروة الحقيقية للمجتمع
 الأمر بالعدل والإحسان
 اليوم العالمي للمعلم.. دعوة للشكر والعرفان
 الأهمية العالمية لمبدأ اللاعنف

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا