الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الحج.. عبادة وخضوع وإبتهال

2016/08/25 | الکاتب : عمار كاظم


في موسم الحج ينطلق الناس إلى بيت الله الحرام ليؤدوا الحج كفريضة فرضها الله على من استطاع إليه سبيلاً، أو كمستحب استحبه الله لمن أدى هذه الفريضة، أو لمن تطوع بذلك. يحدثنا الله سبحانه وتعالى في أياته عن أعمال الحج وعما ينبغي للناس أن ينطلقوا به، ويؤكد سبحانه وتعالى في مسألة الحج على نقطة أساسية هي الخلاصة لكلِّ أعمال الحج وهي ذكر الله سبحانه وتعالى، فإنّ الله سبحانه وتعالى أراد للناس أن يخرجوا من الحج بنقطتين، إحداهما نتيجة للأخرى "ذكر الله وتقوى الله". يقول تعالى: (وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى)، ففي الحج كما في غيره يريد الله للإنسان أن يجعل زاده في الحياة الدنيا الذي يحمله إلى الآخرة والذي يرتفع بمكانته عند الله هو التقوى لأنّه الزاد الذي يحقق لك السعادة في الدنيا والآخرة، والله يخاطبنا بعد أن يبيّن لنا حقيقة التقوى وقيمتها بقوله (.. وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ) (البقرة/ 197)، وهذه كناية تعني يا أولي العقول، لأنّ عقل الإنسان يقوده إلى التقوى ويقوده إلى ما فيه نجاته ومصلحته. ثم يقول (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم) فلا مانع من أن تنتفع مادياً هناك بما لا يشغلك عن حجك وعن عبادتك (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم) أن تذكر الله عند المشعر الحرام بحيث يكون وجودك هناك مملوءاً بذكر الله، وأن تذكر الله في قلبك وأن تذكر الله في إحساسك وأن تذكر الله في عقلك، وأن تذكر الله بلسانك (واذكروه كما هداكم) يعني اذكروه شاكرين له على أساس نعمة الهداية (وما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله) بحيث يشعر الإنسان بأنّ نعمة الهداية هي في الإيمان وفي توحيد الله وهي النعمة الكبرى التي لا بد أن يذكر الإنسان ربه عندما يتذكره بالشكر (.. وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ) (البقرة/ 198)، (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) ولا تنشغلوا في الحديث الذي يتعلق بأموركم الشخصية أو بلهوكم وبعبثكم، بل انطلقوا من حيث أفاض الناس في مسيرة ربانية تتجه بكم إلى ما يريد الله لكم أن تصلوا إليه من تقواه (واستغفروا الله) ولتكن إفاضتكم مملوءةً بالاستغفار (.. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (البقرة/ 199)، (فإذا قضيتم مناسككم) وانتهيتم من ذلك كلّه (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشدّ ذكراً) ويبقى ذكر الله هو الأساس في كلِّ حركة في حركات الحج، تذكره وأنت تطوف وتذكره وأنت تسعى وتذكره وأنت تقف في عرفات وتذكره وأنت تفيض من عرفات، وتذكره وأنت تقف في المشعر، وتذكره وأنت تقف في منى، بل تذكره وأنت ترجم الشيطان، وفي المحصلة أن يكون ذكر الله هو الخط الحركي الذي تتحرك فيه، (فإذا قضيتم مناسككم) وجلستم (فاذكروا الله كذكركم آباءكم) باعتبار العلاقة التي تشدّ الإنسان إلى أبيه بحيث تجعله يتذكره دائماً (أو أشدّ ذكراً) لأنّ علاقتكم بالله هي أعظم من علاقتكم بآبائكم. ينطلق الإنسان من الحج تقياً نقياً من خلال ذكر الله الذي يجعله يحسّ برقابته عليه في جميع الأمور، وهذا ما عبّر الله عنه في آية أخرى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ* لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) (الحشر/ 19-20)، فالجنة أعدّت للذاكرين للمتقين للذي يجعل حياته كلّها ذكراً لله في نفسه وذكراً لله في علاقته مع الآخرين وفي كلِّ مسؤولياته في الحياة. هذا الإنسان الذي إذا حج حجاً واعياً بحيث كان الله معه في عقله وفي قلبه وفي كلِّ المجالات، هذا الإنسان يقال له استأنف العمل من جديد، لأنّ الحاج يخرج من الحج كيوم ولدته أمه بحيث يقال له لقد انتهت مرحلة كنت فيها عاصياً لله وعندما تحج إلى الله وتهاجر إليه كما هاجر إبراهيم (ع) (.. قَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي...) (العنكبوت/ 26)، فإنه يتقبّل هجرتك إذا عرف أنّ هجرتك إليه لا إلى ما تعيشه في نفسك من أطماع وأوضاع معقدة ولذا يقال له "استأنف العمل". فيا أيها الذين تحجّون احتفظوا بحجكم ليبقى في عقولكم ذكرى، وإذا سعيتم بين الصفا والمروة فعليكم أن تتذكروا أنكم أشهدتم الله على قلوبكم أنكم سعيتم بين الصفا والمروة قربة إليه فليكن سعيكم في الحياة في تجارتكم وفي سياحتكم وفي كلِّ أوضاعكم قربة إلى الله. ففي عرفات وفي المزدلفة وفي منى انفتاح على الله وتأمّل وعبادة وخضوع وابتهال حتى يبقى الله في عقولنا وفي قلوبنا ومن أجل أن تبقى عواطفنا في خط الحقّ، وفي حياتنا من أجل أن تكون حياتنا مع الحقّ، وتلك هي فائدة الحج، فأين الذين يحجّون حجّاً كما هو الحجّ وأن لا يكونوا كما قيل "ما أكثر الضجيج وأقلّ الحجيج". في مناسك الحج يتجاوز الإنسان ذاته ويهاجر كهوفها المظلمة ويترك أنانيته وكبرياءه؛ ليحقق أفضل المنطلقات الجديدة لها، أو قل ليبني ذاته من جديد، ويركز وجوده من جديد ويؤمن ذاته من جديد. ويعلي ذاته من جديد؛ لأنّه كما ساهم في إنزال الذات وإسقاطها من لباس الكبرياء والعظمة والأنانية كما أعلى شأنها وأقام بناءها على أتمّ أساس وأكرم مستقبل. إنّ الحج يثير في النفس فكرة التجرّد والصعود إلى العلو حيث الشوق الكلي والاستغراق المجموعي في أُنس القداسة حيث للنفس أشواق تتجاوز فيها المعاني التي تعرفها عبر الحب والعلم والمجد والأمر والنهي والكرامة، ولا يتم ذلك إلا من خلال المعاناة والقرب المعنوي، الذي يجعل دائرة الذات أقرب إلى دائرة الاتحاد الكلي. الحج على مستوى الدائرة الشخصية أنفع عمل شاق لراحة النفس يكتسب الإنسان فيها قوّة ومناعة وطاقة روحية وإضاءة نفسية تعكس صورته وطاقته على حياته الفردية والعائلية والاجتماعية، ويتحوّل الفرد من خلال هذا السلوك إلى أُمّة؛ لأنّه يحقّق جوهر العبودية، ولم يصل سيّدنا إبراهيم (ع) إلى هذا المستوى الرفيع من السلوك، أو قل لم يتحوّل إلى أُمّة إلا بعد أن مرَّ بمرحلة الاحتراق الكامل والانصهار التام بنار المحبّة الإلهية (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ) (النحل/ 120). عندما يصل الإنسان إلى المستوى العالي، ويطهر هذه الذات الأمّارة بالسوء ينتقل إلى حبّ الآخرين ويعمل من أجل إسعادهم، فهو يذوب جوعاً وشوقاً في محبتهم وخدمتهم، ويعمل جاهداً من أجل راحتهم، وإذا أصبح الإنسان كذلك، ذابت من نفسه كلّ الفوارق القومية والعرقية والقبلية واللونية، ونظر إلى بقية المسلمين بمنظار عالمي لا يفرّق بين أرض وأرض وجنس وجنس وعرق وعرق ومذهب وآخر وعاد هذا الفرد يشكِّل أمّة بكلِّ ما لها من أحاسيس ومشاعر عامة وطموحات وتطلّعات كبيرة. عندما يحجّ الإنسان بوعي سوف يشعر أنّه كان معزولاً عن أهله ومحبّيه، وأنّ له اخوة إذا استحكمت علاقته الطيبة معهم سوف يكون علاقة مع الوشائج الثقافية على مستوى طموحات الأُمّة ثقافياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ومن الأخطاء أن يحاول بعضٌ جرّ الناس لنفسه بدل أن يجرّها لربّه، ويقدِّم لها ثقافةً شخصية بدل أن يزوّدهم بثقافةٍ إلهية.

لأنّه عندما يحجّ ويرى هذه الحشود البشرية الدولية العالمية كلّها تلتقي في الكعبة المشرّفة وتؤدِّي نفس المناسك، وتعبِّر المناسك عن مدلول وحدوي كبير سوف يشعر الحاج بأدائه لهذه الفريضة أنّه ملّ الزمن وملّ التاريخ وملّ المستقبل، وأنّ المعاناة التي يلاقيها من طواغيت زمانه ما هي إلّا مشقّة صغيرة، وبعدها الراحة الكبرى في وصول الإسلام المحمّدي الأصيل.

إنّ تأمّلات المسيرة الاجتماعية من خلال التصور الإسلامي سوف تظهر بشكل أبرز وأوضح: لأنّ المجتمع الإسلامي المجتمع النخبة يعيش حالة الانصهار الكامل في المشاعر والعواطف والشعائر، وهذا المجتمع المتماسك القوي، والذي يتفاعل مع ربّه وأوليائه في هذه الرحلة هو الذي سوف ينقل هذا التفاعل من خلال عملية تلقيحية تنتج زروعاً نامية الثمار في الحقل الاجتماعي الكبير. وأفضل وسيلة لتربية الأُمّة التعليم السلوكي، الذي يجسِّد الفكرة عملياً من خلال صبر القيادة أو صلابتها أو ذوبانها في الحقِّ.

وما كانت المسيرة الإسلامية في حياة الرسول الأقدس (ص) لتنتصر لولا وجود المجتمع القدوة صاحب السلوك النبيل والفارق في الإيثار والمحبة وخدمة الناس، وكذلك ما كانت المسيرة الإلهية لتنتصر لولا وجود عناصر ذابت في الوحدة والأُمّة وأعطت كلَّ ما عندها، وتنازلت عن الكثير الكثير من وجودها وحضورها في المسرح وتحت الشعاع.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 146
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا