الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
حسن التعامل وفعل الخيرات

2016/09/03 | الکاتب : عمار كاظم


إنّ أهم ما يميّز قواعد المعاملة عند المسلم عن غيرها من القواعد أنّها ترتبط برابطة الدين وبرابطة الإسلام. فالإنسان المسلم لا يتعامل مع الناس طبقاً لمصالح وأهداف ضيّقة، كمصالحه الشخصية مثلاً. بل يتعامل معهم وفقاً للرؤية والمصلحة التي يُقدّمها له الإسلام. ومن المعلوم أنّ رؤية الإسلام فيما يتعلق بمصلحة المجتمع هي رؤية واسعة وعظيمة جدّاً، حيث إنّها لا تستثني أي شريحة منه، ولا تغفل عن أي بُعدٍ من أبعاده. وإذا أردنا أن نلحظ النقلة النوعية في قواعد التعامل البشري التي يُمكن أن يُحدثها الإسلام في أيّ مجتمع، فإنّ نموذج المجتمع الجاهلي، والتحول الرهيب الذي حصل له بعد دخول الإسلام إليه هو أفضل مثال يُمكن أن يُؤتى به في المقام. لقد صنع الإسلام في الجزيرة العربية رجالاً بلغوا القمّة في حُسن التعامل، من أمثال سلمان وأبي ذر وعمّار (رضوان الله عليهم)، وغيرهم. وقصصهم الاجتماعية الراقية تملأ الكتب وتُعلن بشكل واضح أنّه لا يوجد أيُّ منهج أو مذهب إلّا الإسلام قادر على أن يجمع في إنسان واحد التضحية والإيثار والصدق والمروءة والكرم وغيرها من الصفات الأخلاقية النبيلة. وكيف لا يكونون كذلك والنبيّ (ص) لا يفتأ يُذكِّر ويتلو عليهم كلماته الخالدة: "مَن أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم". ثمّ إنّ الرسول (ص) كان يربط لأصحابه أيّ عمل يعملونه بالآخرة وبالثواب، وكمثال على ذلك، روي عنه (ص) أنّه قال لأصحابه: "إنّ على كلِّ مسلم في كلِّ يوم صدقة، قيل: من يُطيق ذلك؟ قال (ص): "إماطتك الأذى عن الطريق صدقة، وإرشادك الرجل إلى الطريق صدقة، وعيادتك المريض صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وردُّك السلام صدقة".

ومن قواعد المعاملة الحسنة:

1-   مراعاة حُسن الخُلق: وهو: (التبسّم في وجهه، التواضع له، الكلام معه بكلام طيّب وليّن). وذلك كما ورد عن الإمام الصادق (ع) حيث قيل له ما حدُّ حُسن الخُلق؟ قال: "تلين جناحك، وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حسن".

2-   المبادرة إلى المصافحة والسلام: قال أمير المؤمنين (ع): "إذا لقيتم إخوانكم فتصافحوا وأظهروا لهم البشاشة والبشر، تتفرّقوا وما عليكم من الأوزار قد ذهب". وعن أبي جعفر (ع) قال: قال رسول الله (ص): "إذا تلاقيتم فتلاقوا بالسليم والتصافح، وإذا تفرّقتم فتفرّقوا بالاستغفار".

3-   المساعدة والإعانة: فعن صفوان الجمّال قال: كُنتُ جالساً مع أبي عبد الله (ع) إذ دخل عليه رجل من أهل مكة يُقال له: ميمون، فشكى إليه تعذّر الكراء عليه، فقال لي: قم فأعِنْ أخاك، فقمت معه فيسّر الله كراه، فرجعت إلى مجلسي، فقال أبو عبد الله (ع): "ما صنعت في حاجة أخيك؟ فقلت: قضاها الله بأبي أنت وأُمّي، فقال: أما إنّك إن تُعين أخاك المسلم أحبّ إليّ من طواف أسبوع بالبيت مبتدئاً".

4-   بثّ الأمان والطمأنينة: فعن أبي عبد الله (ع) قال: "إنّ المؤمن ليسكن إلى المؤمن، كما يسكُن الظمآن إلى الماء البارد". وعنه أيضاً قال: قال أمير المؤمنين (ع): "المؤمن مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف".

إنّ للتعامل الحسن وفعل الخير نتائج طيّبة وعظيمة في المجتمع. فالمعاملة الحسنة كالبذرة التي تبذر وتُنمى ويُنتظر أوان ثمرها وحصادها. ومن أبرز نتائجها حالة السعادة الروحية التي يعيشها المجتمع وينعم من خلالها. فالتعامل الحسن ينشر الطمأنينة والسلام، ويعمّ من خلاله الخير والوئام. ثمّ إنّ فاعل الخير ينتظر جائزته الكبرى من ربّه وخالقه، وهو خير مجازٍ ومكافئ. وتكفيك هذه الكلمات من ربِّ العالمين حيث يقول: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة/ 261). ويقول: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة/ 262). ويقول أيضاً: (إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا) (الإسراء/ 9). ونختم برواية عن سيد الشهداء الإمام الحسين (ع) حيث خطب قائلاً: "أيها الناس نافسوا في المكارم، وسارعوا في المغانم، ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجّلوه، واكسبوا الحمد بالنُّجح، ولا تكتسبوا بالمطل ذمّاً، فمهما يكن لأحد عند أحد صنيعة له رأى أنّه لا يقوم بشكرها فالله له بمكافأته، فإنّه أجزل عطاءً وأعظم أجراً، واعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نِعَم الله عليكم فلا تملّوا النّعم فتحور نقماً، واعلموا أنّ المعروف مُكسِب حمداً، ومُعقِب أجراً، فلو رأيتم المعروف رجلاً رأيتموه حسناً جميلاً يسرّ الناظرين، ولو رأيتم اللؤم رأيتموه سمجاً مشوّهاً تنفر منه القلوب وتغضّ دونه الأبصار. أيها الناس مَن جاد ساد، ومَن بخل رذل، وإنّ أجود الناس مَن أعطى مَن لا يرجوه، وإنّ أعفى الناس مَن عفا عن قدرة، وإنّ أوصل الناس مَن وصل مَن قطعه، والأصول على مغارسها بفروعها تسموا، فمن تعجّل لأخيه خيراً وجده إذا قدم عليه غداً، ومَن أراد الله تبارك وتعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته، وصرف عنه من بلاء الدنيا ما هو أكثر منه، ومَن نفّس كربة مؤمن فرّج الله عنه كُرَب الدنيا والآخرة، ومَن أحسن أحسن الله إليه، والله يُحبُّ المحسنين". وعن ابن عباس أنّ رجلاً كانت له نخلة فرعها في دار رجل فقير ذي عيال، وكان الرجل إذا جاء فدخل الدار وصعد النخلة ليأخذ منها التمر فربّما سقطت التمرة فيأخذها صبيان الفقير، فينزل الرجل من النخلة حتى يأخذ التمر من أيديهم، فإن وجدها في في (فم) أحدهم ادخل إصبعه حتى يُخرج التمر من فيه، فشكا ذلك الرجل إلى النبيّ (ص) وأخبره بما يلقى من صاحب النخلة، فقال له النبيّ (ص): اذهب، ولقي رسول الله (ص) صاحب النخلة فقال: تُعطني نخلتك المائلة التي فرعها في دار فلان ولك بها نخلة في الجنّة؟ فقال له الرجل: إنّ لي نخلاً كثيراً، وما فيه نخلة أعجب إليّ ثمرة منها، قال: ثمّ ذهب الرجل فقال رجل كان يسمع الكلام من رسول الله (ص): يا رسول الله أتُعطيني بما أعطيت الرجل نخلة في الجنّة إن أنا أخذتها؟ قال: نعم فذهب الرجل ولقي صاحب النخلة فساومها منه، فقال له: أشعرت أنّ محمّداً أعطاني بها نخلة في الجنة فقلت له: يُعجبني تمرها وإنّ لي نخلاً كثيراً فما فيه نخلة أعجب إليّ تمرة منها؟ فقال له الآخر: أتُريد بيعها؟ فقال: لا إلّا أن أُعطى بها مالاً أظنّه أعطى، قال: فما مُناك؟ قال: أربعون نخلة، فقال الرجل: جئت بعظيم تطلب بنخلتك المائلة أربعين نخلة، ثمّ سكت عنه فقال له: أنا أُعطيك أربعين نخلة، فقال له: أشهِد إن كنت صادقاً، فمرّ إلى ناس فدعاهم فأشهد له بأربعين نخلة، ثمّ ذهب إلى النبيّ (ص) فقال: يا رسول الله إنّ النخلة قد صارت في مُلكي، فهي لك، فذهب رسول الله (ص) إلى صاحب الدار فقال له: النخلة لك ولعيالك، فأنزل الله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 85
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا