الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الحج.. عبادة وسلوك وتربية

2016/09/03 | الکاتب : عمار كاظم


يقول تعالى: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كلّ ضامر يأتين من كلّ فج عميق) (الحج/ 27). فالحج عبادة تشترك في أدائها عناصر متعددة، يشترك فيها الجسم والمال، وتساهم فيها النفس والمشاعر، لذا كان الحج عبادة مالية بدنية، يتعبد بها الانسان عن طريق بذل المال، والجهد، واحتمال المشاقّ والمتاعب، قربة الى الله سبحانه، واظهاراً للعبودية الخالصة له، وتأكيداً للتحرر من كلّ قوة عداه سبحانه.

وهدف الحج هذا هو هدف كلّ عبادة في الاسلام، الخلوص الى الله سبحانه، وقطع النظر عما سواه في هذا الوجود، واتخاذ المعبود غاية في نشاط الانسان وتوجهه، ليمتلئ وجدان المتعبد بالحقيقة الكبرى فيغدو طهراً متجرداً من كلّ شر ورذيلة.

حين ينطلق الحاج لتأدية الفريضة بذلك الشوق وتلك الرغبة العارمة إلى بيت الله الحرام منادياً: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، لك الحمد والنعمة والملك، لا شريك لك لبيك"، فهذا يحمل معنى الإقبال والرغبة في التوجه، ويرفع عنوان الوحدانية المطلقة لله والارتباط الكامل به، والانقطاع الكلي إليه، ويجسّده الإحرام كسلوكٍ مقابلٍ لتلك الرغبة والنيّة، فالمسلم عندما يحرم يغتسل للطهر، والطهر هنا جسدي ونفسي يشمل الطهر من كلّ ما يعلق به من الدنيا والحياة والمادة للدخول بين يدي الله وفي حرمه خالصاً من رواسب المادة متجرّداً من ضروراتها وما يرتبط بها من رموز، ويؤكد ذلك بنزع ثيابه وارتداء ثياب الإحرام، الذي هو الحدّ الأدنى من اللباس والحدّ الأدنى من الدنيا، يرافق ذلك التخلي عن الطيب والزخرف ومظاهر النعمة التنعم، إذن فهو يُقبِلُ برغبةٍ منه وشوقٍ على الله وحده متخلّياً عن كل ما عداه في الوجود وكل ما في الحياة من أسباب تشدّه إلى الدنيا وتشغله بها، محققاً معنى ندائه "لا شريك لك لبيك".

وحينما يتجه إلى الحرم وفي كلّ أوقاته بعد ذلك قبل فكّ الإحرام يمتنع عن التظلّل إلا للضرورة، فذلك تعزيزاً لشعوره بالانكشاف الكامل لله تعالى، فهو المقبل عليه وحده، متخلياً عن كلّ ما سواه وعن كلّ رغبةٍ أو رهبةٍ إلا له ومنه، مكشوفاً أمامه فلا ظلّ إلا ظلّه ولا حرّ إلا حرّه ولا قوة إلا قوته ولا ملجأ إلا ملجأه ولا سلطة إلا سلطته، كلّ ذلك مظهر سلوكي لشعوره بحقيقة الوحدانية والخضوع لله مصدر السلطة الأوحد.

وحين يأتي إلى الطواف وآلاف الناس كلها صوت واحد، ولباس واحد، ونداء واحد، وحلقة واحدة، تدور وتدور حول مركز واحد هو الكعبة الشريفة.. وتتحرك باتجاه واحد: الكبير والصغير الأمير والأجير، الملك والرعية، الغني والفقير، الأبيض والأسود والأصفر، الرجل والمرأة، كله تعبير متعدد الأوجه:

أوّلاً، عن الاستجابة الحرفيّة لله، وهذا من جديد يمثّل مظهراً سلوكياً للشعور بالخضوع الكلي له، كما تدور الكواكب في أفلاكها حول الشمس بأمره: "لبيك لا شريك لك".

وثانياً، تعبير عن المساواة الكاملة بين الناس أفراداً وجماعات، إناثاً وذكوراً، شعوباً وطبقات وألواناً، تلك المساواة المعلنة بالآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13).

وثالثاً: تعبير عن شعور المسلمين بوحدتهم وترسيخ عملي لهذا الشعور.

وهذان المعنيان (المساواة والوحدة) هما مرافقان لكل مراسم الحجّ من أوّلها إلى آخرها، بل مجرّد الاجتماع الواحد وبالزي الواحد والنداء الواحد والتحرك الواحد كافٍ للتدليل على ذلك.

ثمّ حينما يسعى الحاج بين الصفا والمروة مهرولاً يشعر وكأنّه يتخلّص من ذنوبه وآثامه وينفضها عنه، ويهرب منها إلى الله، بل ويشعر وكأنه يهرب من الدنيا إليه سبحانه، متنكراً لما عداه فاراً منه ملتجئاً إليه، هذا فضلاً عن معنى دلالات في الطواف. وفي "عَرَفة" حيث تُقبلُ التوبة، يتطهَّر الإنسان من الذنب ويتخلّص من عقدته. وفي المدلفة حيث يبيت تحت السماء لتعزيز شعوره من جديد بالانكشاف لله والوقوع الكامل في سلطانه. وفي "مِنَى" حيث يرمي الجمار مظهر سلوكي رمزي يعبّر عن ترذيل ونبذ كلّ الطواغيت و"الشياطين" في حياة البشر التي إن إنساق لها الإنسان أو تعلّق بها طغت عليه واستعبدته وأضلته وأخلَّت بإخلاصه لله. ثمّ بعد هذا التعهّد لله. بالتخلُّص من الطاغوت، يعود ليجدّد الطواف مع ما فيه من المشاعر والمعاني السابقة الذكر.

هذه الصورة الموجزة هي نموذج لفهم المسلم لمراسم حجّه، ووجه من وجوه مضامينها، وكلما أمعنّا النظر في الحج ومارسنا شعائره تجلّت لنا مضامين ومعان وأبعاد يكمّل بعضها بعضاً، تماماً كالذي يحصل في الصلاة كلما خشع المصلي لربّه وزاد تمعناً في نصوصها وأفعالها امتزج وجدانه بمعانيها وانكشفت له مضامين أخرى وكأنّه يصلي لأول مرة، فشعور الإنسان أنّه بين يدي ربه وموضع رعايته واهتمامه، يعطيه حالة من السلم النفسي الباعث للإلهام والشعور المتجدّد بكل ما يربط بالله من قيم وبما يتضمنه معنى الخضوع المطلق له.

هكذا تحجّ إلى الله بأن تبدأ الحج بعد أن ينتهي الحج، لتحجّ إلى الله في كلّ ساحات الحياة، فحياتنا فيها الكثير من مواقع الطواف وفيها الكثير من مواقع السعي، وفيها الكثير من مواقع الصراع مع الشيطان، وفيها الكثير من عرفات، ومن المشعر الحرام، ومن منى، إنّها تتوسّع حتى تشمل الحياة.

 وهكذا، تبقى التلبية لتؤكد نفسها في كلّ واقعنا الروحي والفكري والحركي فالله أراد لنا أن نصلي، وأن نصوم وأن نحج فنحن نلبّيه في ذلك، والله أراد لنا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وأن تكون صرختنا "لبّيك اللّهمّ لبّيك" منطلقةً من حركة الصراع في الداخل، والله أرادنا أن نجاهد الكفار والمنافقين والمستكبرين فعلينا أن نقول "لبّيك اللّهمّ لبّيك".  

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 123
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الأبعاد التربوية لشهر رمضان المبارك
 شهرُ الصيام
 الرحمة والتراحم في خطبة النبيّ محمّد (ص)
 التثقّف بالقرآن في الشهر الكريم
 عطايا الشهر الفضيل
 شهر رمضان.. تربة صالحة لنمو الفضائل
 حكَم الصيام وآثاره
 الخشوع الصادق في الصلاة
 معنى الجهاد في الصوم
 الحكمة من فريضة الصوم

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا