الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الوقوف في عَرَفة

2016/09/08 | الکاتب : عمار كاظم


الوقوف في عرفات -من وجهة النظر الفقهية- يعني الحضور في تلك البقعة المشرَّفة بنيّة الحج بقصد القربة والإخلاص لله تعالى، وليس المقصود من الوقوف ما يقابل الجلوس، بل إنّ الوقوف مأخوذ من (التوقف) أو (الوقفة) على اعتبار أنّ الحج يشبه بأفعاله مسيرة دائرية يبدأها الحاج من (مكة) وينتهي إليها، فيكون أوّل موقف له هو عرفات. ويجب الوقوف في عَرَفة من زوال الشمس (ظهراً) إلى غروبها. ويوم عَرَفة (زماناً) وساحة عرفات (مكاناً) من أهم الأزمنة والأمكنة التي يتعرّض فيها الحاج لرحمة الله تعالى وعطاياه وجوائزه ومغفرته ورضوانه. ومن آداب الوقوف (مكملات شروطه) هناك:

1- الطهارة: (حال الوقوف، أي عند الدخول إلى عرفات) أي لا يكون الواقف نجساً بأي نوع من النجاسات.

2- الغُسل: (عند الزوال) أي من حين الشروع بالوقوف. والمراد الاغتسال بنيّة القيام بأعمال الوقوف.

3- التفرُّغ للدعاء: (عدم الانشغال بما سواه) والتوجه إلى الله.

4- الوقوف على سفح (جبل الرحمة) من ميسرته.

5- الدعاء بالمأثور (خصوصاً الدعائين المذكورين في الفصل الثاني من هذا الكتاب لقيمتهما المعرفية والعرفانية العالية).

وإذا كانت (الطهارة) و(الغُسل) إزالة النجاسة والوساخة من الجسم هي تنقية ظاهرية لما يعلق به، فإنّ (تفريغ النفس للدعاء) يمثل تنقية داخلية من الشواغل والصوارف التي تحول دون انبثاق الدعاء كنبع من بين صخور القلب، وتخليه -بحسب الإمكان- من كلّ ما سبق يوم عَرَفة من زمان سيِّئ عشناه وما سبق أرض عَرَفة من أمكنة مريبة تواجدنا فيها.

والملاحظ أنّ لا عمل محدداً في (عَرَفة) التي هي ركن الحج وعماده وبها يكتسب الحج اسمه وصفته، فحتى الدعاء ليس واجباً هناك، إذ يكفي مجرد تحقق الوقوف (التواجد في المكان) سواءٌ أكان الواقف (نائماً) أو (مستيقظاً)، (قاعداً) أم (قائماً)، (راكباً) أم (ماشياً). لكن سيرة النبيّ (ص) وأهل بيته الأئمة الأطهار(ليهم السلام): تفيد أنّ (عَرَفة) (محراب دعاء) و(يومُ دعاء ومسألة) و(ضراعة وابتهال) و(اندغام روحي ومناجاة) لما انتهى إلينا من أدعيتهم المأثورة التي عبّروا فيها عن مكنونات ضمائرهم، وحبّهم العميق لله تعالى.

إنّ الوقوف في عَرَفة هو وقوف محاسبة ودراسة للذات، فيقول: «ولعلّ في تشريع الوقوف في عَرَفة في الحج من دون أن يكلِّفه بأيّ عمل من الأعمال بالمعنى الماديّ الإلزامي، نوعاً من الإيحاء، بأنّ الله يريد للإنسان في حركته في الزمن أن يقف وقفة متأمِّلة في حساباته في عمره المتحرِّك في خطّ المسؤولية، لينظر دائماً وليسأل نفسه -في معنى التقوى- ما قدّمتُ لغد، على هدى قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (الحشر/ 18)، لأنّ ذلك هو الذي يجعله واعياً لنفسه، ذاكراً لربّه ولموقعه من ربّه، لأنّه إذا ابتعد عن الحسابات الذاتية وعن ذكر الله فإنّه يبتعد عن وعي ذاته».

وليس ثمة دعاء مخصوص يُلزم الواقف به، بل له ما يشاء من الدعاء، حتى إنّ الإمام الصادق (ع) رأى أحد أصحابه في عرفات يدعو لإخوانه ويبكي، فهنّأه على الموقف النبيل في ذلك الموقف الجليل، وبارك له دموعه التي تسيل، وبشَّره أنّ له مثل ما يدعو لإخوانه وله أجرُ ما يدعو لهم. (الدعاء) في عَرَفة يعني حرِّية الانفتاح والتعبير والانكشاف بين يدي الله. والدعاء بثلاثية أبعاده: (الشكر) على النعم، (طلب العفو والمغفرة والتوبة)، (سؤال الحاجات) هو الذي يملأ الأرجاء العرفاتية، فكأنّ تلك البقعة القفراء تعمرُ بأزاهير النور والدعاء في ربيع الموسم الربّاني المعطاء. والفقير هناك مَنْ يكتفي بالوقوف المجرد وتصفُّح الوجوه والنظر في ساعة المعصم ليرى متى يحين موعد الإفاضة!

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 185
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا