الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
عيد الأضحى.. تآلف وتراحم وتسامح

2016/09/08 | الکاتب : عمار كاظم


إنّ فكرة العيد في الإسلام لا تنطلق من مجرد مناسبة يراد استذكار ليكون العيد مجرد حافز للذكرى، ولكن العيد في الإسلام ينطلق من فكرة تتصل بكلِّ حياة الإنسان، فليس فيها ماضٍ وحاضر ومستقبل، بل هي الفكرة التي تتفق على إنسانية الإنسان في كلِّ أمورها وفي كلِّ نشاطاتها، الأمر الذي يجعل معنى الاحتفال بالعيد مختلفاً عن كلِّ ما يحتفل الناس به، لأنّ الناس عادة يختلفون بمناسبة تتصل بأوضاعهم الشخصية فيفرحون الفرح الذاتي، ولكن الاحتفال بالعيد هو انسجامٌ مع الفكرة وحركةٌ من أجل تأكيدها في واقع الناس وفي واقع الحياة. فلقد شرع الإسلام الأعياد والمناسبات ومنها عيد الأضحى على أمة الإسلام ليفرح الناس وتسعد المجتمعات وجعله نقطة انطلاق لإصلاح العلاقات بينهم بالتسامح والتصافح والعفو ولين الجانب والتزاور وصلة الأرحام وهو فرصة للتبسم وطلاقة الوجه رغم أن هذه الدنيا لا تنتهي مشاكلها ولا تتوقف ابتلاءاتها ومع ذلك يأمرنا الإسلام أن نفرح وندخل السرور على من حولنا. فالحياة لا تحتاج منا إلى اليأس والحزن ولكنها تحتاج إلى العمل والصبر والبذل والتفاؤل وراحة النفس وطمأنينة القلب وانشراح الصدر. هذا هو يوم عيدكم، عيد الأضحى المبارك جعله الله للمسلمين كافة في جميع بقاع الأرض يوم فرح وعبادة وشكر وتسامح وأخوة وتصافح وصلة رحم وبذل للمعروف وإطعام وتوسعة على الأهل والجيران والفقراء والمساكين والمحتاجين، واختص الله به المسلمين دون غيرهم من أمم الأرض وإن من نعم الله على المسلمين أن أعيادهم تأتي بعد عبادات عظيمة، فعيد الفطر يأتي بعد صوم رمضان وقيامه وعيد الأضحى يأتي مع فريضة الحج والوقوف بعرفة وصيام يوم عرفة لغير الحاج وفي ذلك إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى يكافئ عباده بالإحسان إحساناً وبالشكر تفضلاً وعرفاناً. من المعاني الإنسانية التي ترتبط بالعيد، وتتأكد بمظاهره الخيّرة "صلة الرحم" التي تتميز عن سائر العلاقات الاجتماعية، وهي من أقوى الروابط وأكثرها رسوخاً وثباتاً. ومع الإحساس الفطري والشعور الوجداني بقوة هذه الرابطة وثباتها وتميزها على سائر الروابط والعلاقات الإنسانية والاجتماعية؛ فإنها بحاجة إلى التذكير بحقوقها دائماً. لذا، خصّ القرآن الكريم الرحم والقرابة بمزيد من العناية والرعاية والاهتمام، ووجّه سبحانه وتعالى وصيّته بهم في كثير من آياته، وحذر من قطيعتهم وجفوهم وتفكك الصلات بينهم، فقال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ) (النساء/ 1). وقال سبحانه: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) (محمد/ 22). ويأتي العيد ليكون فرصة عظيمة لتوثيق الروابط والصلاة بين الأرحام. وصلة الرحم تكون بزيارتهم ومعونتهم بالنفس والمال، كما تكون بعيادة مرضاهم وإجابة دعوتهم، والتهنئة ما يسرهم، وبصفة عامة تكون صلة الرحم بإيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الضر والمكروه حسب الوسع والطاقة.

علينا أن نعيش الأضحى عيد الإسلام لله بأن يسلم الإنسان لله عقلا ليكون عقله صورة لما أعطاه الله في الوحي فيحتسبه فكر الحياة وأن يسلم الإنسان المسلم فيكون قلبه صورة لما أراد الله من عاطفة بأن فتح قلبه للعاطفة التي يحبّها الله وأن يكون مسلماً في حركته بحيث يبصر الإتجاه إلى الله، فما لم يكن مسلماً في مواقفه وموقعه وعلاقاته فإنّه ليس صاحب الإسلام، فصاحب العيد هو الذي إذا أراد الله له أن يفعل فلا ينتظر ليفعل، وإذا أراد الله له أن يترك فليترك، ولهذا نستطيع أن نعتبر كلّ يوم عيد أضحى لأنّه يوم نسلم فيه أمرنا لله، وكلّ يوم نتقرب فيه لله لا بتجديد الثياب ولكن نقدم الطاعة قرباناً لله ليقبلها، قدم ابتعادك عن المعصية قرباناً لله، قدم توبتك قرباناً لله، قدم مسؤوليتك ومحبتك للإنسان كلّه وللحياة كلّها في سبيل الله ومن أجل الله فسوف تجد في ذلك كلّ يوم عيد أضحى.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 131
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 شهر شعبان.. شهر التنافس
 إشراقات التضحية في مدرسة الحسين (ع)
 مكارم العبّاس (ع) وشجاعته
 آداب وشروط الدعاء
 شعبان المبارك.. تدريب وتأهيل
 كمالات الإمام زين العابدين (ع) الإنسانية
 خط الإمام الحسين (ع) ومنهجه الهادف
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا