الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
تغيير مسار النفس بمفهوم الاستقامة

2016/09/09 | الکاتب : عمار كاظم


النفس الإنسانية بحدّ ذاتها جوهرة لطيفة وطاهرة من كلّ دنس وخبث، يقول تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين/ 4). ولكنّها عندما تعلّقت بعالم المادّة، واستغرقت بعالم الطبيعة أكثر من الحدّ المطلوب، نسيت الحياة الروحية الحقيقية في الآخرة والعيش المعنويّ، وأخلدت إلى الأرض حتى تلوّثت بالمعاصي والصفات السيِّئة، والأخلاق الرذيلة، من البخل والحسد والطمع والأنانية والغضب وغيرها من الصفات الخبيثة. وما ذلك إلّا لأجل استجلاب الفوائد والمنافع المادّية، والتوسّع في الحياة الدنيا، وتحصيل اللذّات الحسية فقط. وكانت النتيجة كما في قوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) (التين/ 5)، ولو شاء الله لرفعه إليه مجدّداً وقرّبه منه، ولكنه أخلد إلى الأرض، وهذا هو حال مَن أخلد إلى الحياة الدنيا واتّبع هواه، فإنّه ضالّ في كلّ حال سواء أرشدته إلى الحقّ ووعظته أم لم تعظه: (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ) (الأعراف/ 176). إذاً، فمشكلة النفس تكمن في تعلّقها بالحياة الدنيا والاستغراق في ملذّاتها وشهواتها، وما ينتج عن هذا التعلُّق من الوقوع في المعاصي والذنوب، بسبب مخالفة الأوامر والأحكام الإلهيّة، واتّباع أوامر النفس وما تهواه (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (ص/ 26). فتتغيّر مسيرة الإنسان وينغمس شيئاً فشيئاً في ظلمة الشهوات والأهواء النفسية وتصبح النفس هي الآمر والناهي في مملكة الإنسان لا الحقّ سبحانه وتعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الجاثية/ 23)، فيغفل الإنسان تماماً عن مسيرته الأصليّة، وعن برنامج سعادته وكماله، وعن عالم النور الواسع، وعن جنّة الرضوان، بسبب انشغاله بزينة الحياة الدنيا والعرض الأدنى. وإذا أراد الإنسان أن يعالج مشكلة النفس التي تأمره بالسوء، من سلطة الأهواء النفسية، فلا سبيل له إلى ذلك إلّا بالمجاهدة، والمقصود من المجاهدة مخالفة أوامر هذه النفس بهدف إخراج الأنا وحبّ النفس والدنيا من القلب حتى تصفو وتصبح مستعدّة لاستقبال النعم والفيوضات الإلهية. لأنّه كلّما تطهّر القلب من الأنا والأهواء كلّما سما وارتقى في مراتب القرب والكمال (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (المائدة/ 6). والإنسان كادح إلى ربّه لا محالة شاء ذلك أم أبى، ولكنّ هذا الكدح وهذه المجاهدة تارةً تكون عن وعي واختيار كما هو الحال عند أهل الآخرة، وأخرى عن قهر وإكراه كما في حالة أهل النار والعذاب (يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (الإنشقاق/ 6). فما لم يقطع الإنسان أغلال التعلقات المادّية والأهواء النفسية، ولم يتحرّر من قيود عالم الطبيعة، بواسطة المجاهدة والتزكية وتحمُّل الكدح والتعب، فإنّه لن يصل إلى منزل اللقاء المنشود. فبعد أحد عشر قسماً يحصر الله تعالى فلاح الإنسان بأمر واحد فقط، وهو تزكية النفس وتهذيبها: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس/ 7-10). وفي آية أخرى يذكر الحقّ تعالى المجاهدة والتزكية كهدف ومقصد أساسي من بعثة الأنبياء والرُّسل إلى الناس: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأمِّيِّينَ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) (الجمعة/ 2). وقد مكّن الله عزّ وجلّ، الإنسان من التصرف في نفسه، ومنحه القدرة الكافية لتحديد وتغيير مسار النفس، وتَرَكه مُخَيّراً لا مُسَيّراً، يختار بنفسه لنفسه الطبيعة التي يفضلها، إن كانت فجوراً أو تقوى. وبذلك يصرح إمام المتقين، أمير المؤمنين (ع) حيث يقول: «إنما هي نفسي، أروضها بالتقوى، لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر، وتثبُتَ على جوانب المزلق». إنّ الحياة تكون أجمل وأحلى، لو عاشها الإنسان بهدوء البال، واطمئنان الخاطر، ويزداد عطاء الإنسان، ويتضاعف عمله، إن كانت نفسه آمنةً مستقرة ولا يتم ذلك إلّا بالاستناد إلى الله تعالى، والالتزام بمنهجه السامي، والاعتماد عليه في كلّ الأمور، وفي كلّ الأحوال. (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرّعد/ 28). إنّ نفس المؤمن متصلة بالسماء، تسترشد بها، وتستمدّ منها الهدوء والسكينة والقوة والعزيمة، والإصرار على مواصلة العمل الصالح، وإسعاد النفس في الدارين.  

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 225
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا