الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
جوهرية يوم الغدير

2016/09/18 | الکاتب : عمار كاظم


من كنت مولاه فعليّ مولاه يصادف يوم الثامن عشر من ذي الحجة، عيد الغدير الأغر. يوم الغدير من أشهر الأيام في حياة رسول الإسلام (ص) ولقد وثّقته كلّ الكتب التاريخية على اختلاف مذاهبها وذكرت العديد من تفاصيل هذا اليوم العظيم. فحين انصرف رسول الله (ص) من حجة الوداع والمسلمون معه وهم على بعض الروايات زهاء مائتي ألف نسمة، سار (ص) نحو المدينة، حتى إذا كان اليوم الثامن عشر من ذي الحجة وصل ـ رسول الله (ص) ومن معه من المسلمون ـ إلى غدير خم من الجحفة التي تتشعّب فيها طرق المدنيين عن غيرهم، ولم يكن هذا المكان بموضع إذ ذاك يصلح للنزول، لعدم وجود الماء فيه والمرعى، فنزل عليه الأمين جبرئيل (ع) عن الله بقوله تعالى: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ». وكان نزوله هذا بهذا الشأن هو للمرة الثالثة، فقد نزل (ع) عليه (ص) قبلها مرّتين ـ وذلك للتأكيد ـ: مرة عند وقوفه بالموقف، وأخرى عند كونه في مسجد الخيف، وفي كلّ منهما يأمره بأن يستخلف عليّ بن أبي طالب (ع)، وأن يسلّم إليه ما عنده من العلم وميراث علوم الأنبياء (عليهم السلام) وجميع ما لديه من آياتهم، وأن يقيمه علماً للناس، ويبلّغهم ما نزل فيه من الولاية، وفرض الطاعة على كلّ أحد، ويأخذ منهم البيعة له على ذلك، والسلام عليه بإمرة المؤمنين، ورسول الله (ص) يسأل جبرئيل أن يأتيه من الله تعالى بالعصمة، وفي هذه المرة نزل عليه بهذه الآية الكريمة التي فيها: (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة/67). الرسول يقوم بالمهمة.. فأمر رسول الله (ص) بالتوقّف عن المسير وأن يردّ من تقدّم من القوم ويحبس من تأخّر منهم في ذلك المكان، فنزل (ص) ونزل المسلمون حوله، وكان يوماً قايظاً شديد الحرّ، فأمر بدوحات هناك فقمّ ما تحتها وأمر بجمع الرحال فيه، ووضع بعضها فوق بعض. ثم أمر (ص) مناديه فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمعوا إليه وإنّ الرجل منهم ليضع بعض ردائه على رأسه وبعضه تحت قدميه من شدّة الحرّ، فلما اجتمعوا صعد (ص) على تلك الرحال حتى صار في ذروتها، ودعا عليّاً (ع) فرقى معه حتى قام عن يمينه ثم خطب (ص) الناس خطبة بليغة لم يسمع الناس بمثلها فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ فأبلغ الموعظة، ونعى إلى الأُمّة نفسه، وأشار إلى أمر الاستخلاف فنصب عليّاً (ع) بأمر من الله تعالى خليفة عليهم بعده (ص)، ومما قال (ص) فيها ما يلي: «معاشر الناس، إنّ الله أوحى إليّ يقول: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ). وأنا مبيّن لكم سبب نزول هذه الآية: إنّ جبرئيل هبط عليّ مراراً ثلاثاً يأمرني عن ربّي جلّ جلاله أن أقوم في هذا المشهد، فاُعلم كلّ أبيض وأسود، أنّ عليّ بن أبي طالب أخي ووصيّي وخليفتي على أُمّتي، والإمام من بعدي، وقد ضمن لي تبارك وتعالى العصمة من الناس وهو الله الكافي الكريم. فاعلموا معاشر الناس، أنّ الله قد نصبه لكم ولياً وإماماً مفترضاً طاعته على المهاجرين والأنصار، وعلى التابعين لهم بإحسان، وعلى البادي والحاضر وعلى الأعجمي والعربي، والحر والمملوك، وعلى كلّ موحّد. معاشر الناس، إنّه آخر مقام أقومه في هذا المشهد، فاسمعوا وأطيعوا، وانقادوا لأمر ربّكم، فإنّ الله هو مولاكم وإلهكم، ثم من بعده رسوله محمّد وليّكم القائم المخاطب لكم، ثم من بعدي عليّ وليّكم وإمامكم بأمر ربّكم، ثم الإمامة في ذرّيتي من ولده إلى يوم تلقون الله ورسوله، لا حلال إلاّ ما أحلّه الله، ولا حرام إلاّ ما حرّمه الله، عرّفني الله الحلال والحرام وأنا أفضيت لما علّمني ربّي من كتابه وحلاله وحرامه إليه ـ إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) ـ. وظل رسول الله يقول معاشر الناس، حتى وصل إلى قوله :«اللهم احشرنا مع محمد وآل محمد معاشر الناس، فما تقولون؟ قولوا الذي قلت، وسلّموا على عليٍّ بإمرة المؤمنين، وقولوا: سمعنا وأطعنا، وقولوا: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.. معاشر الناس، إنّ فضائل عليّ عند الله عزّوجلّ الذي قد أنزلها في القرآن أكثر من أن أُحصيها في مكان واحد، فمن أنبأكم بها فصدِّقوه. معاشر الناس، من يطع الله ورسوله وعليّاً أمير المؤمنين والأئمّة من ولده فقد فاز فوزاً عظيماً». فناداه القوم: سمعنا وأطعنا أمر الله وأمر رسوله بقلوبنا وألسنتنا وأيدينا. ثم إنّ رسول الله (ص) نادى بأعلى صوته ويده في يد علي (ع) وقال: «يا أيّها الناس، ألست أولى بكم من أنفسكم؟». قالوا بأجمعهم: بلى يا رسول الله. فرفع رسول الله (ص) بضبع عليّ (ع) حتى رأى الناس بياض ابطيهما، وقال على النسق من غير فصل: «فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهمّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، والعن من خالفه، وأدر الحقّ معه حيثما دار، ألا فليبلّغ ذلك منكم الشاهد الغائب، والوالد الولد».

رسول الله يأخذ بيد عليّ ويعلنه إماماً للمسلمين، فأنشد حسّان بن ثابت هذا الشعر:

يناديهم يوم الغدير نبيّهم***بخمّ واسمع بالرسول منادياً

فقال: فمن مولاكمُ ونبّيكم؟ ***فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا

إلهك مولانا وأنت نبيّنا***ولم تلق منّا في الولاية عاصيا

فقال له: قم يا عليّ فإنّني***رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

فمن كنتُ مولاه فهذا وليّه***فكونوا له أتباع صدق موالياً

هناك دعا اللهمّ وال وليّه***وكن للذي عادى علياً معاديا

فقال له رسول الله (ص): لا تزال يا حسّان مؤيّداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك. ثم قام من بعده جماعة من الشعراء وألقوا على مسامع القوم أبياتاً في مدح عليّ (ع) وتبجيل هذه المناسبة العظيمة كقيس بن سعد بن عبادة الخزرجي وغيره.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 242
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 حاجتنا إلى التسامح
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا