الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
التقوى من مقتضيات الإيمان

2016/09/16 | الکاتب : عمار كاظم


أيها الإنسان إذا كنت مؤمناً بالله، فالله تعالى يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) (آل عمران/ 102). فاتق الله، تعني اخشَ الله، وخف الله، واحسب حساب الله كما هو الله فيما ينبغي له وفيما هو موقعه، اتّق الله كما يجب أن يُتقى، فإن تتقي الله حقّ تقاته هو أن تعبده، وأن تطيعه وأن تراقبه في نفسك كما هو حضور السلطات البشرية القاهرة القوية في وجودك، ألا تخاف أن تخالف القانون لأنّ القوة التي تحمي القانون هي قوة قاهرة قادرة؟! ألا تحسب في نفسك حضور هذه القوة؟! فليكن حضور الله في نفسك حضوراً يستولي على كلّ نفسك (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) (الأنفال/ 2)، بحيث تعيش في نفسك حالة الهيبة لربّك، كما قال الإمام أمير المؤمنين (ع) في صفة المتقين "عظُم الخالقُ في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم" وأن تحب ربّك أكثر مما تحب أي شيء وأي شخص (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ) (البقرة/ 165)، يحبّون الله أكثر مما يحبّون أي أحد، ولذلك فإنّهم يعيشون هذا الحبّ ويطوّرونه وينمّونه بالتأمل والتدبّر في آيات الله وفي آلائه ونعمه (اتّقوا اللهَ حقَّ تُقاته) والتقوى هي بأن لا يجدك الله حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك، وهي تلخّص في جوانبها العملية عمل الفكر وعمل القلب وعمل الجسد.

تقوى الفكر والقلب والحركة:

التقوى تمثل إذاً كلّ انضباطك أمام ربّك، فإذا حرّكت فكرك في ما يدور حولك فإنّ تقوى الفكر هي أن لا تحرّك الفكر باتجاه الشر، وأن لا تحرّك الفكر باتجاه الكفر، وأن لا تحرّك الفكر باتجاه الظلم، وأن يكون فكرك للخير وللحقّ وللعدل وللإيمان، وإذا ما عاش فكرك ساحة الصراع بين الكفر والإيمان وبين الخير والشر فحاول أن توجهه بإرادتك ليختار الإيمان ويرفض الكفر، وينتخب الخير ويرفض الشر، لا تعطِ فكرك حريته السائبة، بمعنى أن تواجه ما يتحرّك به باللّامبالاة، ليكن فكرك جدياً وليكن هادفاً في كلّ ما تعمله.

وهكذا تقوى القلب، وهي أن تجعل قلبك كلّه لله فلا تحب أحداً إلّا من خلال الله، ولا تبغض أحداً إلّا من خلال الله، لتكن عاطفتك تحت إمرة إيمانك، وأن لا يكون هناك فاصل بين الإيمان وبين العاطفة، فإذا كنت تؤمن بالله، فمعنى ذلك أنّك تلتزم الله وتلتزم أولياءه وتبتعد عن الشيطان وعن أوليائه، وهذا هو معنى التولي والتبري وهو أن لا تدخل أحداً إلى حرم قلبك إلّا من خلال الله سبحانه وتعالى.

وهكذا بالنسبة إلى تقوى الحركة، أن لا تقدِّم رِجْلاً في أي طريق تريد أن تسير فيه ولا تؤخِّر أخرى حتى تعلم أنّ ذلك لله رضا. ومن هنا لابدّ للإنسان أن يتعلّم دينه وأن يعرف ربّه وما صنع به وأن يعرف ماذا أراد منه، لأنّ الإنسان الذي يجهل ربّه، ويجهل نعم ربّه عليه، ويجهل ما أراد الله منه، فإنّه لم يستطع أن يجد طريقاً مستقيماً يسير فيه.

وهكذا ينبغي لنا أن نعيش ثقافة الإسلام ووعي الإسلام في ضوء ذلك، لأنّ ذلك يختصر كلّ وعينا لله، في تعاملنا معه في كلّ حياتنا. (اتّقوا اللهَ حقَّ تُقاته) ولتمتد تلك التقوى التي تمثل خطّ الإسلام إلى نهاية الحياة (وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران/ 102)، فلابدّ من أن تحافظ على امتداد تقواك بأن تحمي إسلامك في كلّ ما يمكن أن يضعفه، ومن كلّ ما يمكن أن ينحرف به عن الخط المستقيم بحيث تكون واعياً لكلّ مفردات إسلامك، وأن تكون واعياً لحركة هذه المفردات في الواقع، ونحن نلاحظ أنّ هذه الغاية. وهي أن يموت الإنسان مسلماً، كانت عنوان شكر (يوسف) (ع) لربّه عندما شكره على ما أنعم عليه، وكانت قمة طلباته (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف/ 101)، بحيث يفكّر الإنسان في أن تنطلق حياته من موقع الإسلام ليواجه ربّه مسلماً بكلّ ما للإسلام من معنى، وليقال له كما جاء في الآيات الكريمة (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ* نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصّلت/ 30-32).

في اتجاه الحركة الاجتماعية:

ثمّ تنطلق الآيات في اتجاه حركتنا الالتزامية الاجتماعية، فأنت لست فرداً في المجتمع تعيش وحدك، ولكنك جزء من حركة الإنسان (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا) (آل عمران/ 103). اعتصموا بحبل الله الذي تتمسّكون به جميعاً وهو الإسلام، وهو القرآن، وحاولوا أن تجدوا وحدتكم فيه، لأنّ الله لا يريد لكم أن تتوحدوا عائلياً وإن كان للرحم دورها، ولا يريد لكم أن تتوحّدوا جغرافياً وإن كان للوطن معناه، ولا يريد لكم أن تتوحّدوا قومياً وإن كان للنسب أو للغة أو للأرض موقعها، ولكنه يريدكم أن تتوحّدوا به، بحبله، بدينه، بمنهجه، بالقيم التي تتمثل في ذلك كلّه، لأنّ هذه هي الوحدة التي توحد الإنسانية كلّها، ذلك لأنّ الوحدات الصغيرة كوحدة العائلة ووحدة الوطن ووحدة القومية ووحدة العرق هي وحدات صغيرة لا تمثل حركة الإنسانية كلّها. أمّا وحدة الإسلام، ووحدة الدين، ووحدة القيم الروحية فإنّها تواجه الناس كلّهم وتجمع هذه الوحدات الصغيرة في الوحدة الكبرى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) (الحجرات/ 13)، فوحداتكم الصغيرة من شعب أو قبيلة هي وحدات تتداخل من خلال أنّ كلّ وحدة تعطي للوحدة الأخرى ما عندها من خبرة، وما عندها من معلومات، وما عندها من تطلّعات، فهذه هي الحياة الإنسانية التي تتحرّك في دوائر صغيرة لتكون الدائرة الكبيرة (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) فالإنسان يتفاعل مع الإنسان في خبرته وفي علمه وفي طاقته وفي كلّ حاجاته، ولكن تبقى هناك الدائرة الواسعة وهي دائرة الإنسانية المنفتحة على الله في خط التقوى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13). 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 102
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا