الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
تنمية مفهوم الحياء

2016/09/18 | الکاتب : عمار كاظم


الحياء.. معناه، تأثر النفس وانفعالها مما يعيبه الدين، أو يكرهه الناس، فهو يردع النفس عن شهواتها، ويصدها عن أطماعها، ومجاوزة حدودها، وقبيح مطالبها، فيردها إلى الحق، والعدل، والإنصاف، فهو لجام النفوس، وحاجزها عن الآثام، والفسوق، والعصيان. وأساسه شعور وجداني يعتري المرء فيحصل له تغيُّرٌ وأثر في النفس برقة القلب وامتناعه عن القيام بعمل ما. فالحياء أساساً صفةٌ إنسانية اختص بها الإنسان، ثمّ هو صفةٌ للمؤمن، وذلك أنّ الإنسان إذا أدرك بأنّ الله تعالى مطّلعٌ عليه، وجعل عليه رقيبين كريمين يحصيان عليه ما يفعل توجه في سلوكه إلى ما يناسب إيمانه هذا. ولا شكّ في أن تأثير الحياء أقوى من تأثير القوانين والأحكام، لأنّه خُلقٌ يلازمُ صاحبه في السر والعلن، فيولِّد في النفس خوفاً من القبيح، وكرهاً للنقائص. الحياء من الله عزّ وجلّ واجب، ويتمثل ذلك في إعظامه، وإجلاله، والخوف منه، واحترام حدوده، واجتناب نواهيه، قال تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) (الرحمن/46)، وحتى لا نكون من الذين قال الله تعالى فيهم: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) (النساء/108). إنّ الحييّ لابدّ له من العلم بما هو مقبولٌ ومرفوضٌ شرعاً وعقلاً وعرفاً، فلا يتصور الحياء من الجاهل إلا أن يكون حياؤه في غير موضعه كمن يستحيي من عالم فلا يسأله فيما يحتاجه من أمور دينه، أو أن يكون حياؤه فطرة فُطر عليها هذا الإنسان. ومع هذا العلم لابدّ للمرء من الفطنة واليقظة والتنبه لكل حركاته وسكناته لتكون تصرفاته التي يقوم بها على وفق المستحب من الأعمال والأقوال. أما الغفلة والتراخي وترك الاهتمام فغالباً ما يصاحبها من الأقوال والأعمال مما يُذم ويُعاب. والحُيَيُّ إنسان ترقّى في خُلُقه حدّاً تجاوزه به غيره، فهو لم يكتف بالكفّ عما حُرِّم شرعاً وديناً بل تراه يتوقى كلّ ما هو مستقبحٌ.

فالحياء صفة تعمل على بناء إنسانية الإنسان ذكراً كان أم أنثى، عن الإمام الصادق (ع): «لا إيمان لمن لا حياء له»، وأيضاً عن الرسول (ص): «الحياء هو الدين كلّه». وكلما زاد إيمان الإنسان كلّما ازداد حياءً، وكذا العكس كلّما نقص حياؤه فهو دليل على نقص إيمانه، وقد أشار الإمام عليّ (ع) إلى هذه الحقيقة: «كثرة حياء الرجل دليل على إيمانه». تُبيّن الرواية الواردة عن الإمام الرضا (ع): «الحياء من الإيمان»، أنّ مَن يملك حياءً يملك ديناً وإيماناً، ومن لا حياء له لا دين له. كما أنّه إذا نقص الحياء فإنّ الإيمان ينقص بمقداره، والعلاقة وثيقة بين الإيمان والحياء. ويُشير الرسول (ص) إلى كون الحياء والإيمان مقرونين في «قرن واحد فإذا سُلب أحدهما تبعه الآخر»، بمعنى أنّه من لم يكفّه الحياء عن القبيح فيما بينه وبين الناس، فلا يكفّه عن القبيح فيما بينه وبين ربّه تعالى، ومن لم يستحي من الله عزّ وجلّ وجاهره بالقبيح فلا دين له. كما أنّ العقل يُعتبر القوام الأساس للإنسان، وبناء عليه تُلحظ فيه سائر الصفات والأخلاقيات، كذلك فإنّ الإيمان والدِّين الذي هو عبارة عن مجموعة تكاليف وسلوكيات، لا يكتمل ولا يستقيم إلّا بالعقل. فمن لا عقل له حتماً لا دين له، كما ورد عن الرسول (ص): «قوام المرء عقله، ولا دين لمن لا عقل له». بل جعلت كميّة العبادة ومقدارها حسب عقل المرء، فعنه (ص): «لكلّ شيء دعامة ودعامة المؤمن عقله، فبقدر عقله تكون عبادته لربّه». فالعقل أحد مرتكزات الإيمان وكماله.

إنّ الحياء خصلة من خصال الإيمان فكأنّ الإيمان شجرة وارفة الظلال يمثل الحياء غصناً نضراً منها فإذا لم يوجد هذا الغصن فقد نقصت هذه الشجرة عن حد الكمال حتى تستكمل هذا الغضن الناقص. إنّ العلاقة بين الإيمان والحياء هي علاقة التشابه من حيث الأثر الذي يخلِّفه كلّ منهما في نفس صاحبه فكما أنّ الإيمان يمنع صاحبه عن ارتكاب المعاصي فكذا الحياء. إنّ الحياء أثر من آثار الإيمان فالإيمان هو القوة الدافعة إلى تكوين خلق الحياء ونتيجة لذلك فإذا أردنا تكوين خلق الحياء أو تعزيزه في نفوس الناشئة فلابدّ من تقوية الإيمان الذي يدفع المؤمن إلى التمسك بهذا الخلق الكريم. ولئن كان الحياء خصلةً من خصال الإيمان أو مشابهاً له أو أثراً من آثاره في تكوين وتعزيز الفضائل الخلقية فإن ديننا أمر به، وحثَّ عليه، وبيّن أنّه من مكارم الأخلاق التي ينبغي على كلّ مسلم أن يتخلّق بها ويحافظ عليها.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 99
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا