الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
دلائل وآثار يوم المباهلة

2016/09/23 | الکاتب : عمار كاظم


في اليوم الرابع والعشرين من ذي الحجّة، كانت الأيدي مبسوطة تحت السماء، إلّا أنّ الأرض كانت واجفة، والشمس كاسفة، والسحب داكنة. يوم المفاجآت الكبرى، والمواقف الحازمة والحاسمة.. هو يوم سيكون مشهوداً على مدى الأجيال وامتداد الزمن، لا شبيه له ولا مثيل .إنّ المباهلة كانت جارية في الأُمم السابقة، ولها أُصولها وسننها، حتى ذكر الأسقف قائلاً: جثا واللهِ محمّدٌ كما يجثو الأنبياء (عليهم السّلام) للمباهلة. أمّا وقتها، فيقول الإمام أبو جعفر الباقر (ع) مبيّناً له: الساعة التي تُباهل فيها ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران/61).  أما المعنى اللغوي للمباهلة فهي الملاعنة والدعاء على الطرف الآخر بالدمار والهلاك، و قوله عزّ وجلّ (نَبْتَهِلْ) أي نلتعن .وقد نزلت هذه الآية حسب تصريح المفسرين جميعاً في شأن قضية وقعت بين رسول الله (ص) ونصارى نجران. حيث أمر الله نبيّه بالمباهلة إذا جاءه من يجادله من بعد ما جاء من العلم والمعرفة، وأمره أن يقول لهم: إني سأدعو أبنائي، وأنتم أدعوا أبناءكم، وأدعو نسائي، وأنتم ادعوا نساءكم، وأدعو نفسي، وتدعون أنتم أنفسكم، وعندئذٍ ندعو الله أن ينزل لعنته على الكاذب مناّ ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾. ولا حاجة للقول بأنّ القصد من المباهلة لم يكن إحضار جمع من الناس للّعن، ثم ليتفرقواّ كلّ إلى سبيله، لأن عملاً كهذا لن يكون له أي تأثير، بل كان المنتظر أن يكون لهذا الدعاء واللعن أثر مشهود عياناً فيحيق بالكاذب عذاب فوري. وبعبارة أخرى: فإن المباهله –وأن لم يكن القرآن ما يشير إلى تأثيرها- كانت بمثابة السهم الأخير بعد أن لم ينفع المنطق والاستدلال، فأن الدعاء وحده لم يكن المقصود بها، بل كان المقصود منها هو أثرها الخارجي. لعلّ قضية المباهله بهذا الشكل لم تكن معروفة عند العرب، بل كانت أسلوباً يبيّن صدق النبي (ص) وإيمانه بشكل قاطع. إذ كيف يمكن لمن لا يؤمن كلّ الإيمان بعلاقته بالله أن يدخل هذا الميدان، فيطلب من معارضيه أن يتقدموا معه إلى الله يدعونه أن ينزل لعناته على الكاذب، أن يروا سرعة ما يحل بالكاذب من عقاب؟! لا شك أنّ دخول هذا الميدان خطر جداً، لأنّ المبتهل إذا لم يجد استجابة لدعائه ولم يظهر أي أثر لعقاب الله على معارضيه، فلن تكون النتيجة سوى فضيحة المبتهل. فكيف يمكن لإنسان عاقل ومدرك أن يخطو مثل هذه الخطوة دون أن يكون مطمئناً إلى النتيجة في صالحه؟ لهذا قيل إنّ دعوة رسول الله (ص) إلى المباهلة تعتبر واحداً من الأدلة على صدق دعوته وإيمانه الراسخ بها، بصرف النظر عن النتائج التي كانت ستكشف عنها المباهلة. عند عرض هذا الاقتراح للمباهلة، طلب ممّثلو مسيّحي نجران من رسول الله أن يمهلهم بعض الوقت ليتبادلوا الرأي مع شيوخهم. فكان لهم ما أرادوا. وكانت نتيجة مشاوراتهم - التي تعتمد على ناحية نفسية - هي أنّهم أمروا رجالهم بالدخول في المباهلة دون خوف إذا رأوا محمّداً قد حضر في كثير من الناس ووسط جلبة وضوضاء، إذ أنّ هذا يعني أنّه بهذا يريد بثّ الرعب والخوف في النفوس وليس في أمره حقيقة. أمّا إذا رأوه قادماً في بضعة أنفار من أهله وصغار أطفاله إلى الموعد، فليعلموا أنّه نبيّ الله حقاً، وليتجنبوا مباهلته. وقد حضر المسيحيّون إلى المكان المعيّن، ثم رأوا أنّ رسول الله (ص) أقبل يحمل الحسين على يد ويمسك الحسن باليد الأخرى ومن خلفه عليّ وفاطمة، وهو يطلب منهم أن يؤمنوا على دعائه عند المباهلة، وإذ رأى المسيحيّون هذا المشهد استولى عليهم الفزع، ورفضوا الدخول في المباهلة، وقبلوا التعامل معه بشروط أهل الذمة. إنّ آية المباهلة قد نزلت بحق أهل بيت النبي (ص)، وأنّ الذين أصطحبهم النبي (ص) معه للمباهلة بهم: الحسن والحسين وفاطمة وعليّ (عليهم السلام)، فإنّ أبناءنا الواردة في الآية ينحصر مفهومها في الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومفهوم نساءنا ينحصر في فاطمة (عليها السلام)، ومفهوم أنفسنا ينحصر في عليّ (ع) وهناك أحاديث كثيرة بهذا الخصوص. وجاء فيه عن الإمام الرضا (ع) قوله: «ميّز الله الطاهرين من خلقه، فأمر نبيّه (ص) بالمباهلة بهم في آية الابتهال. فقال عزّ وجلّ: يا محمد ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾، فأبرز النبي (ص) عليّاً والحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام). وقال (ص): فهذه لا يتقدّمهم فيها أحد، وفضل لا يلحقهم فيه بشر، وشرف لا يسبقهم إليه خلق».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 75
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا