الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
إصلاحات الإمام عليّ (ع) في زمن البيعة المباركة

2016/09/23 | الکاتب : عمار كاظم


كانت بيعة الإمام عليّ في الخامس والعشرين من ذي الحجة سنة 35هـ، فبايع المسلمون الإمام عليّ (ع) على أنّه خليفة المسلمين. فبعد مقتل الخليفة عثمان بن عفّان، تهافت الناس على الإمام عليّ (ع) يطلبون يده للبيعة، «فقالوا: إنّ هذا الرجل قد قُتل، ولا بدّ للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحقّ بهذا الأمر منك، ولا أقدم سابقة ولا أقرب من رسول الله (ص)، فقال: لا تفعلوا فإنّي أكون وزيراً خير من أن أكون أميراً. فقالوا: لا والله، ما نحن بفاعلين حتّى نبايعك. قال: ففي المسجد، فإنّ بيعتي لا تكون خفيّاً، ولا تكون إلّا عن رضا المسلمين». فتمّت البيعة في مسجد رسول الله (ص) بالمدينة المنوّرة. وروي أنّه عندما بويع الإمام عليّ (ع) على منبر رسول الله (ص). حين استلم الإمام عليّ (ع) الخلافة بعد مقتل عثمان بسبعة أيّام، حيث وجد الأوضاع متردّية بشكلٍ عام، وعلى أثر ذلك وضع خطّة إصلاحية شاملة، ركّز فيها على شؤون الإدارة والاقتصاد والحكم، نذكر منها ما يلي:

الأوّل: تطهير جهاز الدولة: أوّل عمل قام به الإمام (ع) فور تولّيه الحكم هو عزل ولاة الحكم السابق الذين سخّروا جهاز الحكم لمصالحهم الخاصّة، وأُثروا ثراءً فاحشاً ممّا اختلسوه من بيوت المال.

الثاني: تأميم الأموال المختلسة: أصدر الإمام (ع) قراره الحاسم بتأميم الأموال المختلسة التي نهبها الحكم المُباد. فبادرت السلطة التنفيذية بوضع اليد على القطائع التي أقطعها الحكم السابق، والأموال التي استأثر بها الحكام السابقين.

الثالث: امتحان الإمام (ع): امتُحِن الإمام (ع) امتحاناً عسيراً من الأُسَر القرشية، وعانى منها أشدّ ألوان المِحن والخُطوب في جميع أدوار حياته. فيقول (ع) بهذا الشأن: «لقد أخافتني قُريش صغيراً، وأنصبتني كبيراً، حتّى قبض الله رسوله (ص)، فكانت الطامّة الكبرى، والله المُستعان على ما تصفون». ولم يعرهم الإمام (ع) اهتماماً، وانطلق يؤسّس معالم سياسته العادلة ويحقّق للأُمّة ما تصبوا إليه من العدالة الاجتماعية.

الرابع: سياسة الإمام (ع) الإصلاحية: السياسة الإصلاحية التي اتبعها الإمام (ع) لإدارة الدولة الإسلامية وهي كما يلي:

أوّلاً: السياسة المالية: كانت السياسة المالية التي انتهجها الإمام (ع) امتداداً لسياسة الرسول الأعظم (ص) الذي عنى بتطوير الحياة الاقتصادية وإنعاش الحياة العامّة في جميع أنحاء البلاد، بحيث لا يبقى فقير أو بائس أو محتاج، وذلك بتوزيع ثروات الأُمّة توزيعاً عادلاً على الجميع.

ومن مظاهر هذه السياسة:

1ـ المساواة في التوزيع والعطاء، فليس لأحدٍ على أحد فضل أو امتياز، وإنّما الجميع على حدٍّ سواء، فلا فضل للمهاجرين على الأنصار، ولا لأُسرة النبي (ص) وأزواجه على غيرهم، ولا للعربي على الأعجمي. وقد أثارت هذه العدالة في التوزيع غضب الرأسماليين من قريش وغيرها، فأعلنوا سخطهم على الإمام (ع). وقد خفّت إليه جموع من أصحابه تطالبه بالعدول عن سياسته، فأجابهم الإمام(عليه السلام): «لو كان المال لي لسوّيتُ بينهم، فكيف وإنّما المال مال الله، ألا وإنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير وإسراف، وهو يرفع صاحبه في الدنيا ويضعه في الآخرة، ويُكرمه في الناس، ويهينه عند الله». فكان الإمام (ع) يهدف في سياسته المالية إلى إيجاد مجتمع لا تطغى فيه الرأسمالية، ولا تحدث فيه الأزمات الاقتصادية، ولا يواجه المجتمع أيّ حرمان أو ضيق في حياته المعاشية.

2ـ الإنفاق على تطوير الحياة الاقتصادية، وإنشاء المشاريع الزراعية، والعمل على زيادة الإنتاج الزراعي الذي كان من أُصول الاقتصاد العام في تلك العصور. وقد أكّد الإمام (ع) في عهده لمالك الأشتر على رعاية إصلاح الأرض قبل أخذ الخراج منها. فيقول (ع): «وليكُن نظرك في عِمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج؛ لأنّ ذلك لا يُدرك إلّا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلّا قليلاً». لقد كان أهمّ ما يعني به الإمام (ع) لزوم الإنفاق على تطوير الاقتصاد العام، حتّى لا يبقى أيّ شبح للفقر والحرمان في البلاد.

3ـ عدم الاستئثار بأيّ شيء من أموال الدولة، فقد تحرّج الإمام (ع) فيها كأشدّ ما يكون التحرّج. وقد أثبتت المصادر الإسلامية قصص كثيرة عن احتياطه الشديد، فقد وفد عليه أخوه عقيل طالباً منه أن يمنحه الصلة ويُرفّه عليه حياته المعاشية، فأخبره الإمام (ع) أنّ ما في بيت المال للمسلمين، وليس له أن يأخذ منه قليلاً ولا كثيراً، وإذا منحه شيء فإنّه يكون مختلساً.

ثانياً: السياسة الداخلية: عنى الإمام (ع) بإزالة جميع أسباب التخلّف والانحطاط، وتحقيق حياة كريمة يجد فيها الإنسان جميع متطلّبات حياته، من الأمن والرخاء والاستقرار، ونشير فيما يلي إلى بعض مظاهرها:

1ـ المساواة. وتجسّدت في: (المساواة في الحقوق والواجبات- المساواة في العطاء - المساواة أمام القانون). وقد ألزم الإمام (ع) عُمّاله وولاته بتطبيق المساواة بين الناس على اختلاف قوميّاتهم وأديانهم. فيقول (ع) في بعض رسائله إلى عمّاله: «واخفض للرعية جناحك، وابسط لهم وجهك، وأَلِن لهم جنابك، وآسِ بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك».

2ـ الحرّية: أمّا الحرّية عند الإمام (ع) فهي من الحقوق الذاتية لكلّ إنسان، ويجب أن تتوفّر للجميع، شريطة أن لا تستغلّ في الاعتداء والإضرار بالناس، وكان من أبرز معالمها هي الحرّية السياسية. فكان الإمام (ع) يرى أنّ الناس أحرار، ويجب على الدولة أن توفّر لهم حرّيتهم ما دام لم يخلّوا بالأمن، ولم يعلنوا التمرّد والخروج على الحكم القائم. وقد منح (ع) الحرّية للخوارج، ولم يحرمهم عطاءهم مع العلم أنّهم كانوا يشكّلون أقوى حزب معارض لحكومته، فلمّا سَعوا في الأرض فساداً وأذاعوا الذعر والخوف بين الناس، انبرى إلى قتالهم حفظاً على النظام العام، وحفظاً على سلامة الشعب.

ثالثاً: الدعوة إلى وحدة الأُمّة: وجهد الإمام كأكثر ما يكون الجهد والعناء على العمل على توحيد صفوف الأُمّة ونشر الأُلفة والمحبّة بين أبنائها. واعتبر(ع) الأُلفة الإسلامية من نعم الله الكبرى على هذه الأُمّة، فيقول (ع): «فإنّ الله سبحانه قد امتَنّ على جماعة هذه الأُمّة فيما عقد بينهم من حبل هذه الأُلفة التي ينتقلون في ظلّها، ويأوون إلى كنفها، بنعمةٍ لا يعرف أحد من المخلوقين لها قيمة؛ لأنّها أرجح من كلّ ثمّن، وأجلُّ من كلّ خطر». فقد عنى الإمام (ع) بوحدة الأُمّة، وتبنّي جميع الأسباب التي تؤدّي إلى تماسكها واجتماع كلمتها.

رابعاً: تربية الأُمّة: لم يعهد عن أحد من الخلفاء أنّه عنى بالناحية التربوية أو بشؤون التعليم كالإمام (ع)، وإنّما عنوا بالشؤون العسكرية وعمليات الحروب، وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية وبسط نفوذها على أنحاء العالم. فقد أولى أمير المؤمنين (ع) المزيد من اهتمامه بهذه الناحية، فاتّخذ جامع الكوفة معهداً يلقي فيه محاضراته الدينية والتوجيهية. وكان (ع) يشغل أكثر أوقاته بالدعوة إلى الله وإظهار فلسفة التوحيد، وبثّ الآداب والأخلاق الإسلامية، مستهدفاً من ذلك نشر الوعي الديني، وخلق جيل يؤمن بالله إيماناً عقائدياً لا تقليدياً.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 130
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 دوافع العمل
 الآداب المعنوية للدعاء
 التجارة الرابحة مع الله تعالى
 شهر رمضان.. فرصة لتهذيب النفس
 رباط المودة والإخاء
 رمضان.. شهر العبودية والخشوع
 خير وسيلة لإصلاح المجتمع الدعاء
 الله تعالى.. منبع كل سعادة وطمأنينة
 العزة.. قوة وصلابة من الله تعالى
 الخشية الدائمة من الله

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا