الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
العنف منافٍ لسنن الكون الإلهية

2016/09/30 | الکاتب : عمار كاظم


العنف، هو استعمال أساليب القوة المباشرة والقهر والقسوة ضد الآخرين لتحقيق غايات العنف في الواقع، وقد تكون تلك الأساليب بدائية بسيطة، أو حيوانية، وقد يأخذ العنف أسلوباً أكثر قهراً وقسوة في البغض والمقت بالسجن والتعذيب وسفك الدماء.. وقد يرتفع في أساليبه القهرية القاسية إلى حد المقت فيبرز في هتك الأعراض وانتهاك حرمات ومقدسات الآخرين الذين يعارضون تحقيق أهداف العنيف الهائج بقسوته.. فقد يخرّب كلّ مظاهر الإنسانية من معالم حضارية شيدها خصمه أو تركها من آثار وكتب ومكتبات ومراصد ومخابر.. والعنف بكلّ هذه الأساليب، إنما تعافها النفس وتمقتها الفطرة الإنسانية بما هي متدنية وهابطة ولا تصدر إلّا عن الظلمة والهمج الطغاة والمتجبرين.. وبما هي منافية لسنن الحسن الكونية والتكوينية، فهي قبح وسوء، فإنّها وإن بدت نهجاً لتحقيق الغايات، إلّا أنّ الواقع الإنساني وعلى طول التاريخ أثبت أنّ العنف هو أقبح ما يشوه تاريخ الإنسانية، بل هو وجه العار الذي يغطي تاريخ الحكام المتجبرين والطغاة الظلمة، الذي يحدثنا به تاريخهم. أما اللاعنف: فهو أسلوب موحد للأخيار من الناس في استعمالهم للقوة غير المباشرة الموجهة من العقل والمستندة إلى الإقناع المشفوع بالمحبة والرحمة من أجل تحقيق غايات السنن التكوينية في النفس الإنسانية للمطابقة مع السنن الكونية في سيادة النظام وشيوع الرحمة وإحقاق الحقّ وتجسيد العدل بالصبر والتحمل والعزيمة لتجاوز البلاء والتزام الأحسن والسعي للأفضل. واللاعنف، بهذه المواصفات، إنما هو مهمة الرسل والأنبياء (عليهم السلام)، بل هو سمة الإنسانية في كلّ شخص من بني آدم يسعى على وجه الأرض. فمن خلال دراسة سير الأخيار والمصلحين والرسل والأنبياء ثمّ الأوصياء من الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، نجدها جميعاً وجهاً لمعنى أسلوب اللاعنف الموحد في تحقيق القيم الإنسانية. وكذا نجد من خلال دراسة سير الأشرار والطغاة والمتجبرين الظلمة، إنّها جميعاً مليئة بالعنف، بل كلّها عنف، بل إنّ العنف هو نفسهم الذي يتنفسونه ليستمروا في الحياة، ومجرد توقف العنف في حياتهم إنما هو موتهم الحتمي. وإنّ دراسة التاريخ لتعطينا الدليل الذي لا شك فيه على أنّ كلّ الأهداف الإنسانية العظيمة التي تحققت على الأرض إنما تحققت من خلال منهج اللاعنف وأساليبه المحببة الرحيمة العاقلة الذكية. وكذلك ينبئنا التاريخ بالدليل الذي لا ريب فيه، بأنّ العنف إنما هو صفة الناس البدائيين عديمي الثقافة والحس الإنساني، وهو أسلوب الطغاة المتجبرين والعتاة الظلمة من الحاكمين المصابين بأمراض العظمة والعجب بالنفس والشعور بالكبر والحسد الذي أعماهم من كلّ حسن، فذهبوا بلعنة التاريخ الأبدية في حين فاز خصومهم بالخلود، يتذكر الناس مظلوميتهم فيتعاطفون مع مناهجهم، وبذلك فقد سجلوا في بعض الأحيان، مع عدم اختيارهم لللاعنف، كثوار، بسبب مظلوميتهم، وعتو خصومهم في العنف.  

 

منهج اللاعنف

إنّ منهج اللاعنف هو منهج الدعوة لله تعالى في القرآن العظيم، والسنة الشريفة، وهنا نتحدث عن معنى اللاعنف في القرآن الكريم: قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ* وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (سورة الكافرون). إنّ في هذه السورة القصيرة كلّ معاني منهج اللاعنف في الدعوة إلى الله تعالى، ذلك لأنّ هناك أمراً هاماً، لا يفوت على كلّ ذي لب، وهو أنّ الحقّ لابدّ ظاهر، وأنّ الباطل من اسمه لابدّ مندحر.. وأنّ الحسن جذاب بذاته.. وأنّ القبح منفر بذاته، وأنّ العدل مطلوب، وأنّ الحقّ مرغوب، وأنّ الظلم مكروه وأنّ الباطل زاهق. لذا فالالتزام الصادق بالحقّ والوقوف إلى جانب العدل، وإبراز الحسن والدعوة به وإليه لا يحتاج إلى عنف، بل يحتاج إلى الصبر، إذ مع الوقت تتحقق إرادة الله تعالى في مضمون سننه في الحقّ والعدل وكلّ معاني الحسن في الكون وفي الناس. إنّ التزام اللاعنف وإعلان التزامه في الناس والخصوم، لا يؤدي دوره الرباني، ولا يعتبر منهجاً حسناً، ولا طريقة للتغيير إذا لم يكن الملتزم بمبدأ اللاعنف، عارفاً بالحقّ طالباً له، ساعياً إلى تجسيده عدلاً يلمس وينظر مبغضاً للظلم قال له، كارهاً للقبح تاركاً له علماً وعملاً. قال تعالى: (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (الأنعام/ 135).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 130
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 حاجتنا إلى التسامح
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا