الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
دروس الإنسانية في النهضة الحسينية

2016/10/03 | الکاتب : عمار كاظم


كان الإمام الحسين (ع) وما يزال اسمه يقترن بالحب والإيثار والعطف، انّه الرجل الذي طالب بالعدالة للآخرين، وثار ضد حُكّام الجور، ثار من أجل الإنسان الذي سحقته يد الجور والبغي. ضَحّى من أجل الآخرين، من أجل الإنسانية، ضحّى بكلّ شيء، ضحّى بنفسه، بحياته، بأهل بيته، بأصحابه، بطفله الصغير الذي في عينيه براءة الطفولة ونقاءها. الحسين لم يمت، بل ازداد حياة ونشوراً، انّه حي في القلوب، حي في الصدور، اسمه منحوت لا على الصخر بل في القلب، في قلب كلّ مؤمن، وسيبقى اسمه حياً مادامت الحياة.

إنّ العظمة هنا انّ الحسين (ع) في هذا الموقف الصعب الذي يذهل فيه الإنسان عن كلّ شيء ويفقد رباطة جأشه نجده يُفكِّر في أعدائه، ويقف فيهم خطيباً ينصحهم ويُوجِّههم ويرشدهم لعل واحداً منهم يعود إلى رُشده ويتوب فيدخل الجنة. وفعلاً تحول بعض أفراد جيش يزيد إلى الحسين، ودافع عنه، بينما لم يتحول أي من أنصار الحسين إلى جهة الأعداء. لقد كتب الحسين بحبر دمه ووهج نفسه سطور المجد والخلود. كتب بدم قلبه الزكي وعصارة روحه كلّ معاني العطف والهداية والنور للإنسانية جمعاء. ولكن مَنْ يستطيع أن يقرء تلك الملحمة الخالدة وذلك السفر العظيم، والرواية الحزينة التي كان بطلها سيد الشهداء وأهل بيته وأصحابه الأوفياء ولا يشعر بالأسى والحزن؟ مَنْ يتمكّن أن يقرأ ذلك الكتاب الذي يتحدّى عوادي الزمن ويتحدّى عوامل الفناء ثمّ لا يتعاطف مع الحقّ؟ مَنْ يتمكّن أن يتصفّح ذلك الكتاب ثمّ لا تُطيح دمعة من عينيه؟ ولا تهتز مشاعره؟ ولا تتحرّك أوتار قلبه؟ ولا تعزف ألحان الحزن قيثارة روحه؟ إنّ من نتائج ثورة الحسين وتأثيراتها إحياء القيم التي جاء بها الرسول (ص) من التطلع للعدالة وتوثيق أواصر المحبّة والتعاون ورفض قيم البداوة من الخشونة والغلظة وإعادة نمط الحياة الحضرية التي عُرفت بالتماسك الاجتماعي والولاء للأمة والوطن وترك العصبية. وهذه الآثار ما تزال تعمل عملها إلى اليوم. فمن بين التأثيرات المهمة لعاشوراء هو إعادة طرح القيم في مجالس الحسين من كلّ عام، والتأكيد من جديد على المودة والإيثار والشهادة، والتحررية، والتديُّن، مما يجعل من عاشوراء والمراسم التي تقام خلال شهري محرم وصفر مصدراً دائماً لضخّ القيم والمبادئ الإسلامية الرفيعة في نفوس الجيل الجديد، جيل الشباب.. ففي كلّ عام يسمع الملايين أصداء صوت الحسين (ع) الهاتف، «إن لم يكن لكُم دين فكونوا أحراراً في دنياكُم». 

أن يُقتل إنسان في سبيل العدل والحقّ والحرِّيّة فذلك حدث جلل. ولكن أن يُقتل الحسين (ع) سيد الشهداء، فذلك الحدث الجلل الأكبر والأعظم والأضخم.. لأنّه ابن سيدة النساء فاطمة الزهراء بنت رسول الله (ص) وانّه ابن أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) وانّه سبط النبيّ (ص)، قال فيه الرسول: «حسين منِّي وأنا من حسين»، «أحب الله مَنْ أحبّ حسيناً».

ثورة الإمام الحسين (ع)، سوف تظل حية مؤثرة ما بقي على الحياة كائن يتنفّس وستظل ترنّ في مسامع الدهر. وستبقى تنسج خيوطها الذهبية في نسيج الحياة الاجتماعية. وسيبقى صوت الحسين عالياً يمسح الدمع عن المظلومين ويأخذهم إلى الأعالي بعيداً عن ظلم الجبابرة الطغاة وينشر مبادئ الحقّ والخير والعدل. دم الحسين أصبح ناراً يحرق الطغاة ويهز عروش الظالمين وأصبح نوراً يهدي، ويسكب في النفوس عطراً، تربة الحسين تشمُّ منها رائحة الجنان، وعبير الفردوس.

دم الحسين حوَّل الأرض اليابس إلى واحة خضراء ومنتجع للقلوب تهفو لها النفوس وتتجذب إليها وتشتاق أن تلثمها.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 183
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى
 بركات التقوى في شهر رمضان
 صلة الأرحام والتواصل بين الأقارب
 أيام الضيافة الكريمة

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا