الصفحة الرئيسية » النهضة الحسينية
أصداء الحسين (ع) الثائر

2016/10/09 | الکاتب : عمار كاظم


كربلاء كلمة الحق.. أنشودة المجد في فم الزمان. كربلاء قصيدة الشعر.. وقافية اللّوعة والألم. كربلاء شلال الدم، وبركان الغضب المقدس. لن تموت كربلاء.. لن تغيب شمسها من اُفق التاريخ.. لن تمحو لوعتها يد الطغاة من وجدان الأحرار. كربلاء هطلت في أرضها سحابة الدم الحر الشهيد فأنبتت أجيال الشهداء والثوار. ها هي أصداء الصوت الأبي الذي أطلقه الحسين تتردد في وادي الطّفوف.. وتقرع مسامع الأجيال.. وتطوف في ربوع التاريخ إعصاراً يعصف بالطغاة، وبركان دم يهزّ عروش الظالمين، ويوقظ الضمائر الحرّة، ويحرك في تاريخ الإنسان روح الثورة والجهاد، ها هو صوته يُدوِّي ويملأ مسامع الزمن: (لا أعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا أقرّ اقرار العبيد). فمَن هو هذا الحسين؟ وما هي معالم هذه الشخصية الفذّة العملاقة؟ إنّ رجل التاريخ اللّامع هذا.. وأسطورة الملاحم والكفاح، وكلمة الإباء والشرف هو: الحسين السبط ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ابن عبدالمطلّب بن هاشم. وأُمّه فاطمة الزهراء بنت محمّد رسول الله (ص).. وجدّته خديجة الكبرى وأبوه ابن عمّ النبيّ (ص). وُلِدَ الحسين الشهيد في المدينة المنوّرة في الخامس من شعبان السنة الرابعة من الهجرة. وقيل في الثالث من شعبان السنة الرابعة من الهجرة.. ولد الحسين (ع) فاستقبلته الأُسرة النبوية بروح الحب والحنان، واستقبله رسول الله (ص) فسمّاه (حسيناً). نشأ وترعرع في أحضان رسول الله، وبين عليّ أمير المؤمنين وفاطمة – عليهما السلام –، فارتضع أخلاق النبوّة، وشبّ على مبادئ الرسالة الإسلامية العظيمة، مبادئ الحقّ والعدل والاباء.. أحاطه رسول الله في طفولته بمشاعر الحب والحنان.. وكان يحمله وأخاه الأكبر (الحسن) (ع) على صدره ويصرِّح أمام أصحابه ويعلن عن هذا الحبّ الأبوي الكريم ويقول: "اللّهُمَّ إنِّي اُحِبُّهُما واُحِبُّ مَنْ أحَبَّهُما". ويصور في عبارات أخرى حبّه ورعايته للحَسنين فيقول: "إنَّ ابْنَيَّ هذَينَ رَيحانَتايَ مِنَ الدُّنيا". "مَن أحبَّ الحسن والحسين فقد أحبّني، ومَن أبغضهما فقد أبغضني". وكان رسول الله (ص) يصلِّي والحسن والحسين يتناوبان على ظهره فباعدهما الناس فقال (ص): "دَعوهُما بِأبِيَ هُما وأمِّي، مَن أحَبَّنِي فَلْيُحِبَّ هذينِ". "مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ فَلْيَنْظُر إلى الحُسَين". وهكذا يعرِّف بالحسين الشهيد في طفولته، ويشخِّص مقامه للأُمّة لئلّا تعتذر يوماً عن الجريمة بحقِّه. وتوالت الأيّام، وتناسى العصاة قول رسول الله (ص) وفجعوه بفلذة كبده الإمام والسبط الحسين بأباحوا دمه المقدّس، واستباحوا حرماته، لَمّا قُتِلَ الحُسينُ بن عليّ (ع) جِيءَ بِرَأسِهِ إلَى ابنِ زِياد فَجَعَلَ يَنْكُثُ بِقَضِيبٍ على ثَناياهُ، وقالَ: (إنْ كانَ لَحَسن الثَّغر، فَقُلْتُ لأسوءنَّكَ، لَقَدْ رَأيْتُ فَم رَسُولِ اللهِ (ص) يُقَبِّلُ مَوْضِعَ قَضِيبِكَ مِنْ فِيهِ) خرّجه ابن الضحّاك. أمّا أبو بكر الصديق فقد قال: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يقول: الحَسَنُ والحُسينُ سَيِّدا شَبابِ أهْلِ الجَنَّةِ). هذا هو الحسين في قلب رسول الله (ص) وفي عُرفه وشريعته وقد نشأت في بيت من أكرم بيوتات الإسلام وأعزّها، وهو بيت رسول الله (ص) وتربّى على خُلقِهِ ومبادئه، فكان مثال الورع والتقوى، وقدوة الاخلاص والزهد والعبادة، قوي الشخصية، شجاعاً غيوراً على الإسلام والأُمّة، ذا شخصية قيادية عظيمة، شديد التمسّك بالحق، قويّ الإرادة لا تأخذه في الله لومة لائم. فبهذه الصفات العظيمة، وبهذه الشخصية العبقرية، وبهذه المكانة الاجتماعية الفريدة صار الحسين (ع) قوّة فاعلة في ضمير التاريخ الإسلامي، وإرادة حيّة تؤثر عبر الأجيال، لقد نحت له هذا المجد العظيم تمثالاً في قلب كلّ حرّ أبيّ يعرف للإنسانية حقها، وللمبادئ والقيَم قيمتها. لقد آمن المسلمون بحب أهل البيت، وأحبوا الحسين كواحد من أئمة أهل البيت (ع)، لهذا كانت الفجيعة واللوعة التي رُزِئت بها الأُمّة بفقدِ الحسين عذاباً لضميرها، ومثاراً للحزن والألم فيها، ولذا كان لهذه الشخصية مقام خاص يتميّز بالحبِّ والحنان والإخلاص العظيم، لقد فاضت المشاعر من حول الحسين (ع) وتعلّقت القلوب بحبِّه وبعظم شخصيته، فقد نظم الشعراء طيلة أربعة عشر قرناً، فما نضبت القوافي، ولا أجدبت خصوبة الشعر، ولا اعتذرت صور المواقف والتصوير الفنّي لمشاعر الحزن ووقائع المأساة، وعبقرية الفداء. وكتبت الأقلام، فما جف المداد، ولا تلكأ البيان. وانطلقت باسمه الثورات فما توقف ينبوع الدم عن الجريان، ولا وهنت العزائم. ورفعت باسمه الشعارات فما خبا شعار، ولا خمد صوت أعاد صدى تلك الثورة الحسينيّة العظيمة. وهكذا كانت كربلاء مشعلاً للثورة، وشعاراً للثوّار، ومثاراً للحزن واللّوعة، وكان الحسين تمثالاً من الحب والوفاء ينتصب في قلب كل حرّ شريف. فهو مثال الحرّ الأبي.. ومثال الثائر المنتصر للمستضعف المظلوم وهو أحد القربى الذين أمر الله سبحانه بحبِّهم: ﴿.. قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا...﴾ (الشورى/ 23).

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 63
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 التوسّع في فعل الخير
 من وصايا الإمام الكاظم (ع)
 محمّد (ص) .. الأُمّي العالِم العابد
 المبعث النبوي .. حدث عظيم في تاريخ البشرية
 الإمام الكاظم (ع) رحابة الأفق في خُلقه
 رحلتا الإسراء والمعراج.. دروس وعبر
 الإمام علي (ع) وأوجُه العبادة
 زينب «عليها السلام».. نموذج رسالي رائد
 حاجتنا إلى التسامح في المجتمع
 كرامة الإنسان في القانون الإلهي

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا