الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
حركة التقوى في نفس الإنسان

2016/11/03 | الکاتب : عمار كاظم


قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (الحشر/ 18). تخاطب هذه الآية المؤمنين، وتؤكّد لهم أنّ الإنسان المؤمن لابدّ من أن ينطلق من خلال التقوى التي تجعله يعيش حضور الله سبحانه وتعالى في عقله وقلبه وحياته، بحيث يتحسس وجود الله سبحانه وتعالى، كما ورد في بعض الأحاديث: "خف الله كأنك تراه، فإن كنت لا تراه فإنّه يراك"... أن يشعر الإنسان بمراقبة الله سبحانه وتعالى عليه؛ رقابة تنفذ إلى داخل عقله لتتابع حركة عقلهِ فيما ينتجهُ العقل، وتنفذ إلى داخل قلبه لتلاحق نبضاته وخفقاتهِ في حركته العاطفية، ولتتابع حياته بكلّ ما فيه من مفرداتٍ تتصل بحياته على المستويين الفردي والاجتماعي. كما يريد هذا النداء أن يستثير في المؤمنين ما تختزنهُ نفوسهم من الانفتاح على الله سبحانه وتعالى في حضوره الدائم في الكون، بحيث يتمثلهُ المؤمن في كلّ وجوده. وعلى ضوء هذا، فإنّ الإنسان عندما يتصور معنى الربوبية التي تهيمن على الأمور كلّها، ومعنى الخالقية التي منحتهُ كلّ وجوده، ومعنى الجبروت الإلهي؛ فإنّ ذلك يجعله يخشى ربّه في كلّ حياته، فينطلق ليتقي الله ويطيعه فيما أمره به وفيما نهاهُ عنه. وقد ورد في تعريف التقوى: "أن لا يراك الله حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيث أمرك". وهذا الأمر بالتقوى، ينسحب على ما سلف من أمور الناس، ليدرسوا كلّ ما فعلوه وكلّ ما عاشوه، دراسة دقيقة عميقة تركز على مواقع المسؤولية؛ هل أطاعوا الله في ما أسلفوا، أم هل عصوه في ذلك؟ وما الذي هيأوه لأنفسهم فيما يقبلون عليه عندما يعرضون على الله (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) (المطففين/ 6)، وقوله تعالى: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر/ 18)، هو الذي يبيّن أنّ دراسة الماضي إنّما ترتكز على عالم المسؤوليّة؛ لأنّ الله أراد للإنسان، في يوم القيامة، أن يقدّم بين يديه كلّ حياته، بكلّ سلبياتها وإيجابياتها، في كلّ نقاط ضعفها ونقاط قوتها، بقدر ما يتصل الأمر بمسؤوليته أمام الله سبحانه وتعالى في ذلك كلّه. وعلى ضوء هذا، نستطيع أن ندرك من الآية  (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ أن لا يكتفي الإنسان بالنظر فيما قدمه، بل أن يحاول في موقفه هذا – من خلال حركة التقوى في نفسه – أن ينظر إلى ما قدمه من عمل؛ فإن كان خيراً، حمد الله على ذلك واستزاده التوفيق لأمثاله، وإن كان شراً، استغفر الله في ذلك. وهذه هي الرؤية التي تؤكد عملية الحساب الدائم للإنسان. وقد ورد في أكثر من حديث، أنّ على الإنسان أن يكون واعياً لنفسه في كلّ أعماله وأفعاله وعلاقاته، حيث يقوم بعملية محاسبة نفسه على كلّ ذلك. ففي الحديث عن النبيّ (ص): "أليس الكيّسين"، والكيّس هو العاقل، أي أعقل العقلاء "وعمل لما بعد الموت"، باعتبار أنّ ما بعد الموت هو الذي يمثل المصير الدائم الخالد، وفي حديث الرسول (ص) أيضاً: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"، ومعناه أنّه لابدّ للإنسان من أن يجلس مع نفسه، كما لو أنّ نفسه هي إنسان آخر يحاسبه في ما عمل كلّ يوم، في حياته الخاصة والعامة، "وزنوها قبل أن توزنوا"، في حساب يوم القيامة. والميزان هو ميزان الأعمال، وهو الذي يؤدّي بالإنسان إلى مصيره سلباً أو إيجاباً عند العرض الأكبر على الله سبحانه وتعالى. ويقول الإمام عليّ (ع): "حاسبوا أنفسكم بأعمالها، وطالبوها بأداء المفروض عليها" مما أوجبه الله "والأخذ من فنائها لبقائها" يعني الأخذ من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية "وتزودوا وتأهّبوا قبل أن تبعثوا" حتى يبعث الإنسان وقد حزم أمره، وركّز أوضاعه، ليقرأ كتابه بشكل واثق، والله تعالى يقول: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (الإسراء/ 14). وهكذا نجد القيمة التربوية لمسألة دراسة النتائج السلبية أو الإيجابية لكلّ ما يقبل عليه الإنسان، وما قام به من مسؤوليات، أكملها أو قصّر فيها، حتى يكتشف من خلال ذلك نقاط الضعف ونقاط القوة عنده؛ لأنّ الأمراض النفسية والعقلية والروحية والعملية كالأمراض الجسدية، فإن استطاع الإنسان أن يكتشف المرض في بدايته، فإنّه يصبح لديه القدرة على معالجته بشكل أسهل ممّا لو اكتشفه بعد أن يتعمّق في النفس أو في الجسد، لأنّه من الصعب أن يعالجه بالطريقة التي يمكن أن يحصِّل من خلالها العافية أو الشفاء من هذا المرض. ولذلك أولى الإسلام عملية المحاسبة والدراسة النفسية اهتماماً بالغاً، لكي يستطيع الإنسان معها أن يكتشف نقاط الضعف ليحوّلها إلى نقاط قوة، وأن يكتشف نقاط القوة ليستزيد منها ما أمكنه ذلك، لأنّ هذه المسألة التربوية يتوقف عليها مصير الإنسان في نهاية المطاف.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 83
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 فاطمة الزهراء «عليها السلام».. القدوة الشاملة
 رجب.. شهر استجابة الدعاء
 ملامح الهدوء النفسي في الأسرة
 القراءة الواعية للقرآن الكريم
 الإقبال على ساحة الله المقدسة بالدعاء
 وظائف الأسرة الصالحة
 طلب الرزق.. عبادة خالصة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا