الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
منهج التثبُّت من الله تعالى

2016/11/22 | الکاتب : عمار كاظم


قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات/ 6). الفاسق هو الإنسان الذي يخرج عن حدود طاعة الله إلى معصيته، وقد أمر الله تعالى في هذه الآية أن توضع أفعاله وأقواله تحت المراقبة والمحاكمة، لأنّه لا يؤمَن جانبه ولا يُرْكَن إليه، فهو غير مبالٍ أصلاً بسلامة المجتمع أو أمنه أو ترابطه، وإن الأخذ بكلامه على محمل الصدق والثقة، لاسيّما فيما يتعلَّق بأعراض الناس ومصائرهم، قد يوقعنا في مساوئ التسرُّع والخطأ، ويحملنا على أن نرتكب ما نندم عليه حيث لا ينفع الندم. فإنّ الإنسان الراشد العاقل مسؤول عن كلّ كلمة يتفوّه بها، وعن أي معنى يوحي به للآخرين، ومن هنا فقد تعيّن عليه أن يوثِّق كلامه ويثبِّته بدلائل من أرض الحقيقة والواقع، وأن يحيط عقله ولُبَّه بالمراقبة الذاتية، فلا ينطق إلّا خيراً، ولا يلقي سمعه إلّا إلى ما يقبله العقل وتؤيِّده الحُجج والدلائل، وهذا لا يُدرَك إلّا باستقصاء الحقائق. فكم من مقولة كاذبة أدّت إلى تَهلُكة، وكم من خبر زائف أدّى إلى نزاع وشجار، وكم من شائعة مغرضة أدّت إلى فساد في الأرض، فما كلُّ ما يُسمع يُقال، وما كلُّ ما يُسمع يُصدّق أو يُؤخذ كقرينة إثبات، خاصّة فيما يتعلق بأعراض الناس وأخلاقهم وأماناتهم ومجمل سلوكهم. فلقد حمى الإسلام حُرُمات الناس وكراماتهم، فشدَّد العقوبات على منتهكي الأعراض، ومثيري الفتن، وحذَّرنا في الوقت نفسه من الانسياق وراء تياراتهم، وتصديق كلّ ما يقولون ويروّجون، كي لا نتحوّل إلى أدوات إذاعية لهم، تنقل افتراءاتهم وتَجنِّيهم على النّاس، فإذا وقعت الواقعة وكثرت الضحايا، وانجلت الحقيقة، وتبيّن كذب ما كانوا يدّعون، شعرنا بالنّدم والألم لأننا كنا أدوات مشاركة في الجريمة، ومسؤوليتنا في ذلك جسيمة، قال رسول الله (ص): «التثبُّت من الله والعجلة من الشيطان». فيجب التمحيص والتثبُّت من خبر الناس عموماً، والفاسق خصوصاً، لأنّه مَظِنَّة الكذب وكلامه موضع شكٍّ حتَّى يثبت صدقه، أمّا الصادق فيؤخذ بخبره، لأنّ الصدق هو الأصل في المجتمع المؤمن، وخبر الفاسق استثناء، والأخذ بخبر الصادق الثقة جزء من منهج التثبُّت لأنّه أحد مصادره.

أمّا الشكُّ المطلق في جميع المصادر وفي جميع الأخبار، فهو مخالف لأصل الثقة المعتمدة، ومعطِّل لسير الحياة، والإسلام يترك الحياة تسير في مجراها الطبيعي، ويضع الضمانات والحواجز لصيانتها فقط، لا لتعطيلها. كما دعا الإسلام الى قواعد لتربية الحواسّ المادّية والروحية، لأنّها إن لم تؤخذ بالعناية والعلم فإنّها تخطئ في التمييز، وهذا ما يوقع صاحبها في دائرة الخطأ ثم المسؤولية والحساب. فالمرء مطالب بأن يتثبَّت من كلِّ خبر يسمعه، ومن كلِّ ظاهرة أو حركة يراها قبل أن يحكم عليها. حيث إنّ الانقياد الأعمى وراء مبدأ أو غاية ما، دون دراسة أو حسن تبصُّر، يُعَدُّ خروجاً على قوانين الله، إذ لا يجوز تعطيل أدوات التمييز كالسمع والبصر التي ترشد الفؤاد. والفؤاد يعني العقل أو القلب الذي يتحسَّس الخطأ والصواب إذا كان منوَّراً بالإيمان وذِكر الله تعالى. فالتثبُّت من كلِّ خبر ومن كلِّ ظاهرة ومن كلِّ حركة، قبل الحكم عليها، هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق، ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج، لم يعد هناك مجال للوهم والخُرافة في عالم الفكر، ولم يبقَ مجال للظنّ والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل، ولم يبقَ مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم. فالأمانة العلمية التي يُشِيدُ الناس بها اليوم، ليست سوى جانب من الأمانة العقلية والقلبية التي يعلنها القرآن، فيجعل الإنسان مسؤولاً عن سمعه وبصره وفؤاده أمام واهب هذه النعم. إنّها أمانة الجوارح والحواسّ والعقل والقلب، أمانة يُسأل عنها صاحبها، ويرتعش الوجدان لثقلها كلَّما نطق اللسان بكلمة، أو روى رواية، أو أصدر حُكماً على شخصٍ أو أمرٍ أو حادثةٍ.. فظلمة السمع كامنة في جعل الأذن أداة الاستماع إلى الغيبة واللغو، والرفث والبُهتان، والقذف واللهو والفواحش، أمّا نوره ففي جعلها أداة الاستماع إلى القرآن والأخبار الصادقة النافعة، والعلوم والحِكم، والمواعظ والنصيحة وقول الحقّ.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 129
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته
 من وصية الإمام الصادق (ع) لصاحبة النجيب زيد الشحّام

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا