الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
احتمالات المواجهة العسكرية بين كوريا الشمالية وأمريكا

2016/12/13 | الکاتب : محمد ياس خضير


استيقظ جيران كوريا الشمالية في 9 أيلول 2016 على هزة أرضية وصلت قوتها إلى 5,3 وفق مقياس ريختر، ليتضح لاحقاً بعد إعلان التلفزيون الرسمي لكوريا الشمالية بأنّ الأخيرة أجرت التجربة الخامسة لأسلحتها النووية بنجاح، ولعلّ هذا الحدث أعاد مرة أخرى التركيز على موضوع برنامج كوريا الشمالية النووي وعلى حجم امكاناتها النووية، بعد ان تراجع الاهتمام بهذا الملف نتيجة تراكم الإحداث وتسارعها في الساحة الدولية وانشغال القوى الكبرى بها لاسيما ما يحصل في منطقة الشرق الأوسط من صراعات بالغة التعقيد والخطورة.

كوريا الشمالية كما هو معروف نظامها السياسي هو نظام دكتاتوري يسيطر عليه حزب واحد وهو حزب العمال الكوري الذي يسيطر على ما يعرف بالجبهة الموحدة الديمقراطية لتوحيد الوطن، كما تمتلك قوة عسكرية مهمة فالجيش الشعبي الكوري يعد من بين أضخم جيوش العالم من حيث العدد، كما تمتلك كوريا الشمالية قدرات عسكرية أخرى موزعة على القوات البرية والجوية والبحرية، إذ تمتلك صواريخ وغواصات وطائرات، فضلاً عن سعيها المتكرر في امتلاك السلاح النووي، فهي استطاعت أن تطور قدراتها النووية بالرغم من العقوبات الدولية المفروضة عليها.

إنّ سعي كوريا الشمالية إلى الحصول على السلاح النووي يرجع إلى أنّ هناك إدراك يحكم هرم هذه الدولة بأنّ امتلاك هذا السلاح يمنح الدولة حصانة من التدخلات الخارجية كما إنّه يقوّي مركزها الأقليمي ويؤثر على طبيعة التوازن الإستراتيجي القائم، فمعادلة القوة في الأقليم المحيط بكوريا الشمالية يستند إلى مجموعة من العوامل والمتغيرات ولعلّ في مقدمتها القدرات الذاتية لدول الأقليم مضاف إليها الدعم الخارجي غير المحدود للبعض منها، لاسيما الدعم الأمريكي لكوريا الجنوبية المقترن بالانتشار العسكري الأمريكي فيها وفي اليابان أيضاً.

 يضاف إلى ذلك القلق الصيني ومحاولاتها في إعادة ترتيب ميزان القوى الأقليمية فرض عليها أن تتدخل في إعادة ترتيب معادلة القوة في الأقليم، فالتواجد العسكري الأمريكي في كوريا الجنوبية واليابان والدعم غير المحدود لتايوان فرض على الصين أن تعيد ترتيب أولوياتها، لهذا فالصين تحاول احتواء كوريا الشمالية واستخدامها كورقة ضغط ضد الولايات المتحدة لتحقيق مصالح تتصل ببحر الصين الجنوبي والنزاع مع اليابان حول الجزر فضلاً عن قضية تايوان.

وعليه فإنّ التوازن الإستراتيجي في شمال شرق آسيا يخضع بدرجة أساس لرغبة واتجاهات الصين والولايات المتحدة، فالتقارب الصيني الأمريكي ينعكس بصورة إيجابية على أوضاع هذا الأقليم والعكس صحيح، لهذا سعى طرفا العلاقة إلى الإمساك بالتفاعلات بين دول هذا الأقليم، فالصين ترتبط بعلاقات جيِّدة مع كوريا الشمالية التي تمثل مصدر قلق لباقي دول الأقليم، فحجم التبادل التجاري بين البلدين كبيراً جداً، أما الولايات المتحدة فلها علاقات إستراتيجية مع باقي دول الأقليم الأخرى، لهذا يلاحظ أنّ الصين أيدت الولايات المتحدة الأمريكية في تشديد العقوبات على كوريا الشمالية بعد إجرائها لتجربتها النووية الرابعة، لكن من غير المؤكد أن تؤيد ذلك مرة أخرى في مجلس الأمن لاسيما بعد المواقف الأمريكية التي اتخذتها من قضية بحر الصين الجنوبي، ونشر الولايات المتحدة بعض منظومات الدرع الصاروخي في كوريا الجنوبية والذي يمثل تهديد مباشر للأمن الأقليمي في تلك المنطقة، لهذا فإنّ الصين سوف تعمل على استثمار ورقة كوريا الشمالية خدمة لمصالحها.

ويتساءل الكثيرون في ظل هذا الوضع في منطقة شمال شرق آسيا، هل هناك احتمالية لمواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية؟.

هناك اتجاه يرى أن نذر المواجهة تلوح في الأفق بين مدة وأخرى، فالولايات المتحدة مازالت ترى بأنّ مصالحها كبيرة مع كلّ من كوريا الجنوبية واليابان وتايوان، وأنّ التهديد الذي تمثله كوريا الشمالية يجب أن يزال وينتهي، لهذا وضع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن كوريا الشمالية ضمن ما يسمى بمحور الشر الذي يجب إزالته وإنهاءه، لهذا اتبعت الولايات المتحدة منذ مدة ليست بالقصيرة مجموعة من الإجراءات القسرية كالعقوبات العسكرية والاقتصادية والسياسية ضد كوريا الشمالية وصولاً إلى تحقيق الإنهاك الكامل لهذه الدولة تمهيداً لتغيير نظامها السياسي.

 وهذا الهدف تعمل عليه حتى إدارة الرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما، فوجود النظام السياسي الكوري الحالي يمثل خطراً مباشراً على المصالح الأمريكية في ظل تهديدات هذا النظام المتكررة للولايات المتحدة ولحلفائها في المنطقة وبأنّه لن يتوانى عن استخدام ما متاح لديه من قوة ومن ضمنها الأسلحة النووية ضد مصالح وحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، ويحاول النظام السياسي في كوريا الشمالية من كلّ هذه التهديدات الحصول على اعتراف رسمي بأنّها دولة ضمن النادي النووي.

كما إنّ هناك اتجاه يرى أنّ احتمالية حصول مواجهة مباشرة بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة الأمريكية هو أمر مستبعد، وهذا يرجع لاعتبارين أساسيين وهما:

1- الدور الصيني الواضح في توجيه مسارات السياسة في كوريا الشمالية، فالصين تمثل النافذة الأساسية لهذه الدولة للعالم الخارجي، ولها مصالح اقتصادية وعسكرية وأمنية وإستراتيجية في بقاء الوضع على حاله في كوريا الشمالية، وهذا الأمر يتصل بصراعها مع الولايات المتحدة الأمريكية، فهي بالرغم من أنّها لا ترغب في الوقت الحاضر أن توسّع مجالات حركتها وفعلها بالرغم من فائض القوة الهائل الذي تمتلكه، حتى إنّها توصف بأنّها في وضع مبالغ فيه في المحافظة على مكوّنات قوتها وتوصف بأنّها كـ(الباندا الأم أو الأم الحاضن) كما يرى جوناثن سيزن، إلّا أنّها لا تتردد باستخدام بعض الأدوات المتاحة لديها في تحقيق بعض المكاسب، ولعلّ أهمها هو موضوع البرنامج النووي لكوريا الشمالية، لهذا يرى هذا الاتجاه أنّ مسألة المواجهة مع كوريا الشمالية يبدأ من الموقف الصيني والرؤية الصينية.

2- أنّ إعلان كوريا الشمالية عن امتلاكها لأسلحة نووية وإجراء خمس تجارب لحد الوقت الحاضر، يبعد احتمالية خوض الولايات المتحدة الأمريكية مواجهة عسكرية مباشرة مع رئيس كوريا الشمالية كيم جونغ اون الذي يحكم دولته بقبضة حديدية ولا يمكن التنبؤ حتى بأي من تصرفاته وردود أفعاله، لهذا فمسألة المواجهة المباشرة هو أمر مستبعد في ظل هذا الأمر.

إنّ احتمالات المواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوريا الشمالية يمكن أن تكون إذا ما توافرت المعطيات الاتية:

1- حدوث حالة عدم استقرار في كوريا الشمالية تتيح للولايات المتحدة وحلفائها أن تتدخل لحسم الحالة في الإطاحة بالنظام السياسي الحالي.

2- إذا ما توافقت المصالح الأمريكية الصينية وتوصل الطرفان إلى اتفاق لتسوية المشكلات التي تتصل بتايوان وبحر الصين الجنوبي وموضوع نشر الدرع الصاروخي الأمريكي، فإنّ احتمالات التضييق على النظام السياسي في كوريا الشمالية هو أمر وارد.

3- إذا ما أقدمت كوريا الشمالية على استخدام القوة العسكرية المباشرة ضد كوريا الجنوبية، فأنّ ذلك يلزم من الولايات المتحدة وفق الاتفاقية الإستراتيجية مع كوريا الجنوبية في التدخل واستخدام القوة العسكرية.

ويمكن أن تكون المواجهة العسكرية متاحة إذا ما تم السيطرة على الأسلحة النووية في كوريا الشمالية من خلال عملية استباقية، أي بعد تحييد السلاح النووي لكوريا الشمالية.

وبالرغم من سعة الاحتمالات فأنّ مسارات الحاضر توضح للمتابع بأنّ الولايات المتحدة الأمريكية لا ترغب بمواجهة عسكرية مع كوريا الشمالية لأنّ عامل الردع في الصراع معها متحقق، وهي تعول وبشكل واضح على الوسائل الدبلوماسية وعلى الأمم المتحدة في فرض المزيد من العقوبات على كوريا الشمالية، وفي تشكيل جبهة موحدة تضم بالدرجة الأساس الصين في مواجهة تطلعات كوريا الشمالية.

 

·      الكاتب من مركز المستقبل للدراسات الإستراتيجية

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 172
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 العراق والقمة الأميركية–الإسلامية
 ممثل يموت أثناء تأدية دوره في مسلسل رعب
 لعبة الأُمم مرة أخرى
 ترامب يحصد نتائج ما زرعه أوباما
 القمة العربية الأمريكية بين الحل الإقليمي و المصالح الأمريكية
 متحف للمثلجات يستقطب اهتمام الزوار
 أوباما يعود للحياة العامة
 بلدة أميركية للبيع
 مزاجية ترامب تزيد من غطش فضاء العلاقات العراقية الأميركية
 وصمة عار

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا