الصفحة الرئيسية » إخترنا لكم
ملامح العظمة في شخصيَّة الرّسول (ص)

2016/12/17 | الکاتب : عمار كاظم


هذا ما يحدّثنا اللّه عنه في صفات رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإنَّه يقول لنا: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ»، فتقولون: هذه صفات رسول اللّه، فأين نحن من رسول اللّه؟ إنَّ اللّه يقول لكم: إنَّ رسول اللّه انطلق في سيرته من خلال رسالته، ورسالته بين أيديكم، فإذا لم تستطيعوا أن تقتربوا من مستوى العظمة في وعيه لرسالته، ولم تستطيعوا أن تبلغوا القمّة، فحاولوا أن تقتربوا من القمّة ولو قليلاً. والقدوة في المسألة الإنسانيّة هي إيحاءٌ لك بأنّك تستطيع أن تقترب من القمّة إذا لم تستطع أن تصل إليها. وهكذا، لن يكون الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مجرّد رسول في التّاريخ، ولكنَّه ـ وذلك سرُّ عظمته ـ كان رسالة في رسوليّته، وكانت رسوليّته هي الامتداد لشخصيّته، حتّى أنَّنا نشعر بأنَّ حضوره فينا ونحن نصلّي عليه، ونستحضر سيرته، وندرس سنّته، ونقرأ القرآن الذي بلَّغه، نشعر بأنَّ حضوره فينا كأفضل الحضور، وأعظم من حضور كثيرٍ من النّاس الّذين يحسبون أنفسهم حاضرين، ولكنَّهم غائبون عن الأمّة. قد يكونون حاضرين في السّاحة بأجسادهم، ولكنَّهم غائبون عن عقول الأمّة وقلوبها وإحساسها. وقضيّة الحضور والغياب هي في مدى وعي النّاس الّذين تعيش في داخلهم، لا من خلال الحجم الّذي تتّخذه لنفسك في سلطانك.

لذلك، مَنْ مِنَّا ـ وكلّ واحد منّا يحمل مسؤوليّة، سواء كانت صغيرة أو كبيرة؛ مسؤوليّته العائلية، التربوية، الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية، وأيّ شيء فيما يتعامل معه النّاس من مسؤوليات ـ يعيش هذه الروح في الكلمة اللّيّنة، والقلب اللّيّن؛ الروح التي يشقّ عليها تعب الّذين يعيشون في داخل مسؤوليّتك، ويعيش الحرص على حياة النّاس الذين يتحرّكون من خلال مسؤوليته؟!

لن نكون في خطّ رسول اللّه إذا لم يتحوَّل كلّ واحد منَّا إلى رسول اللّه، ولو بنسبة عشرة في المئة، أو من خلال القدوة. وعلى الإنسان، في حال اعترضته مشاكل نفسية وبيئية وما إلى ذلك، أن يخترق كلّ الحواجز. والمهمّ في كلّ ذلك، أن نمتلك الإرادة.

قصتنا في كثيرٍ من الحالات، هي هذا الفاصل بين الفكرة والإرادة، بين الرّغبة والحركة، فالرّغبات تبقى أحلاماً، وبدلاً من أن نُنزل هذه الأحلام إلى الواقع، نحاول أن ننطلق بها إلى الخيال، والفكرة تبقى في عقولنا مجرّد معلومات، بينما القيمة الكامنة في المعلومات، هي عندما تتحوّل إلى واقع، وإلا كانت وهماً. كثيرٌ من الفلاسفة حشروا أنفسهم، وتحوّلت فلسفاتهم إلى هواء، وأصبحت مجرّد شيء يُتعب عقلك ولا يغذّي الحياة، وجاء النّاس الّذين يفكّرون في الإنسان في رسالتهم، واستطاعوا أن ينطلقوا بالإنسان إلى مجالات واسعة.

إذاً، قيمة الفكرة أن تتحوّل إلى واقع. ونحن نعرف، حتّى في قرآننا وفي سنّتنا، أنَّه لا قيمة للإيمان إذا لم يكن مقترناً بالعمل الصّالح، لأنَّ العمل الصّالح هو حركية الإيمان في واقعك، كما أنَّ الإيمان هو حركيّة الصّلاح في عقلك. وعندما تكون صالحاً في عقلك من خلال إيمانك، وتكون صالحاً في عملك من خلال حركة إيمانك، عند ذلك يمكن أن تعطي الحياة صلاحاً، وهذا هو قوله تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»؛ هل الخلق ابتسامة؟ هل الخلق مجرّد مصافحة حنون؟ هل هو مجرّد مجاملات؟ هل الخلق حالة عناق أو احتضان؟ الخلق هو أنت في كلّ حركتك في الحياة، فالأخلاق تختصر كلّ حياتك، فعلاقتك بنفسك هي خُلُق، علاقتك باللّه، علاقتك بعيالك، علاقتك بالنّاس الّذين تعمل معهم ويعملون معك، علاقتك بالحكم، بالحاكم، بالقضايا الكبرى. وبعبارة أخرى، الأخلاق ليست شيئاً على هامش حياتنا، إنَّما هي كلّ حياتنا.

 

الأخلاق

الرسالات كلُّها هي حركةٌ في واقع الإنسان، من أجل أن تتمِّم له أخلاقه. ولكلّ مرحلة أخلاقها، وتأتي المرحلة الثانية لتكمل ما نقص ممّا جدّ واستجدَّ من قضايا الحياة ومشاكلها، حتى كان ختام الأخلاق الرسالية هو ختام الرسالة في محمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الذي جاء ليتمِّم للإنسان أخلاقه ويكملها، وانطلق بالإسلام لا ليكون ديناً في مقابل الأديان، ولكنَّه دين يحتضن كلّ الأديان، مصدّقاً لما بين يديه، يؤمن بالرّسل كلّهم، وينطلق ليأخذ من كلّ رسالة ما أراد اللّه له أن يأخذه ممّا يبقى للحياة، لأنَّ هناك شيئاً في الرّسالات قد يكون مرحليّاً، ولذلك، جاء عيسى (عليه السلام) ليحلّ لهم بعض ما حرّم عليهم، وجاء موسى قبله ليحرّم عليهم بعض ما أحلّ لهم. والقضيّة هي أنَّ قيمة الإسلام هي هذه، فالإسلام ليس ديناً في مواجهة اليهوديّة، كما يواجه الفكر الخصم فكراً خصماً آخر، وليس في مواجهة النصرانيّة، ولكنَّه يحتضن ما يبقى من النصرانيّة، وما يبقى من اليهوديّة، وما يبقى من صحف إبراهيم، وما يبقى من كلّ النبوَّات، صغيراً أو كبيراً، ليقول للإنسان كلّه: أيُّها الإنسان، لقد كان هناك تاريخ للرسالات، وأنا اختصرت لك كلّ هذا التاريخ، آمن بالرسل كلّهم، ولتكن حياتك في خطّ الرسل كلّهم، فأنا خاتمهم وأنا معهم أسير.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 150
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا