الصفحة الرئيسية » إخترنا لكم
ملامح العظمة في شخصيَّة الرّسول (ص)

2016/12/23 | الکاتب : عمار كاظم


من العظماء من إذا استغرقت في عناصر شخصيّته، فإنَّك تلتقي بذاته في نطاق الدائرة المحدودة من تلك العناصر الّتي جعلت منه إنساناً عظيماً، صاحب فكرٍ، أو صاحب قوّةٍ، وما إلى ذلك مما يمنح شخصيّته ضخامتها الذّاتية الّتي لا تمتدّ إلى أبعد من ذلك. ومن العظماء من إذا استغرقت في داخل شخصيّته، فإنَّك تنفتح على العالم كلّه. ذلك هو الفرق بين عظيم يجمع عناصر عظمته من أجل أن يؤكّد ذاته، وعظيم يجمع هذه العناصر من أجل أن يعطي الحياة عظمة، ويتّجه بالإنسان إلى مواقع العظمة، حتى تكون عظمته حركة في الحياة، وحركة في الإنسان، ويجتمع الإنسان والحياة، وينطلقا ليعيشا مع أجواء العظمة في اللّه العليّ العظيم. من أولئك، أنبياء اللّه، الذين عاشوا للّه، فاكتشفوا الحياة من خلاله، لأنَّها هبته، واكتشفوا الإنسان من خلاله، لأنَّه خلقه. وبذلك، فإنَّهم لم يعيشوا مع اللّه سبحانه وتعالى استغراقاً في ذاته، بالمعنى العاطفي للكلمة، لتكون كلّ حياتهم مجرّد تأوّهات وتنهّدات وحسرات وما إلى ذلك، ولكنَّهم رأوا أنَّهم عندما ينقذون الإنسان من جهله، فإنهم يعبدون اللّه بذلك، فقد ارتفعوا إلى اللّه من خلال رفعهم للإنسان إلى مستوى المسؤوليّة عن الحياة، من خلال تعاليم اللّه، وعاشوا الآلام والحسرات مع اللّه، من خلال حملهم لآلام الإنسان وتنهّداته، من أجل أن تنطلق روحانيّتهم في قلب مسؤوليّتهم. ولذلك، إنّ الأنبياء ليسوا شخصيّاتٍ عظيمةً تعيش في المجال الطبقي الذي يصنعه النّاس لعظمائهم، ولكنَّ الأنبياء كانوا يعيشون مع النّاس، وكانوا فيهم كأحدهم، يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، يفتحون قلوبهم لإنسان يعيش ألماً، من أجل أن يفسحوا المجال للفرح حتّى يطرد ذلك الألم، يتواضعون للنّاس، يستمعون إلى آلامهم، يعيشون معهم، لا يتحسّسون في أنفسهم أيّة حالة علوّ، وهم في المراتب العليا. وممّا تنقله لنا السيرة، أنَّ رسول اللّه كان يسير ذات يوم، ورأته امرأة، فارتعدت هيبةً له، فقال(صلى الله عليه وآله وسلم): «ما عليك، إنَّما أنا ابن امرأة مثلك كانت تأكل القديد». لم ينفتح الرّسول(صلى الله عليه وآله وسلم) على ما عاشته من هيبته، لتكون هيبته فاصلاً بينها وبين إحساسها الإنساني به وإحساسه الإنساني بها، ولم يرد للعظمة أن تكون حاجزاً بين إنسان وإنسان، كما يفعل الكثيرون ممن يتخيّلون أنفسهم عظماء، أو يرفعهم النّاس إلى صفوف العظماء، فإذا بك تجد بينهم وبين النّاس حواجز وحواجز، فلا يعيشون التفاعل مع النّاس، وبذلك، تسقط عظمتهم من خلال ما كانوا يؤكّدونه من عظمتهم.

سرّ الإنسانيّة في النبوّة

أمّا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد ارتفع إلى أعلى درجات العظمة، عندما عاش حياة الإنسان محتضناً له، ليرحمه وليرأف به، لأنَّ سرّ إنسانيّته في سرّ نبوّته، وفي سرّ حركته في الحياة. لذلك، قد نجد أنَّ بعض النّاس يتحدّثون في أشعارهم عن جمال الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعن لون عينيه، وعن جمال وجهه، ويتغزّلون به من خلال ذلك، في الوقت الّذي نرى أنَّ اللّه لم يتحدّث عن كلّ ذلك. والسبب، أنَّ اللّه أراد أن يقول لنا: إنَّ الأنبياء الّذين هم رسل اللّه إلى النّاس، انطلقوا مع الإنسان في صفاته الإنسانيّة التي تلتقي بالإنسان الآخر؛ فأن تكون أيّ شيء في جمالك، أن تكون أيّ شيء في خصائص جسدك، فذاك شيء يخصّك، ولا علاقة له بالنّاس، لكن ما هي أخلاقك؟ ما هي انفعالاتك بالنّاس؟ ما هو احتضانك لحياة النّاس؟ ما هي طبيعة أحاسيسك؟ هل هي أحاسيس ذاتيّة تعيشها في ذاتك، أو هي أحاسيس إنسانيّة تحتضن بها أحاسيس النّاس؟

كيف قدّم اللّه الرّسول لنا؟ لم يذكر لنا نسبه، ونحن دائماً نصرّ على العائليّة في الحديث، فلم يتحدّث لنا عن هاشميته، ولا عن قرشيته، ولا عن مكيته، ولم يحدّثنا عن اسم أبيه، وعن اسم أمّه، ولكنه حدّثنا عنه بصفته الرسولية الرسالية: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ}. لم يأتِ من فوق ليطلّ عليكم من علياء العظمة، فقد ولد بينكم، وعاش معكم، وتألّم كما تتألّمون، وعاش الجوع كما تعيشون، وعاش اليُتم كما تعيشون اليُتم عندما تكونون أيتاماً.

{مِّنْ أَنفُسِكُمْ}، وكلمة «من أنفسكم» تحمل في داخلها عمق المعنى الإنساني الذي يجعل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) في الصورة القرآنية إنساناً مندمجاً بالنّاس الآخرين، يعيش معهم من داخل حياتهم، ومن داخل آلامهم، ومن داخل أحلامهم، ومن داخل قضاياهم، بحيث لا يوجد بينهم وبينه أيّ فاصل. إنَّه يتابعكم وأنتم تتألمون، يتابعكم وأنتم تتعبون، يتابعكم وأنتم تواجهون مشاكل الحياة الّتي تثقلكم، يعزّ عليه ذلك ويؤلمه ويثقله، لأنَّه يعيش دائماً في حالة نفسيّة متحفّزة تراقب كلّ متاعبكم ومشاقكم وترصدها. {حَرِيصٌ عَلَيْكُم}، وكلمة «حريص» هنا تختزن في داخلها الكثير من الحنان، والأبوّة، والاحتضان، والعاطفة، فهو يحرص عليكم فيضمّكم إليه، فتعيشون في قلبه، ويقدّم لكم حلولاً لمشاكل حياتكم وكلّ تعقيداتكم.

ويحرص عليكم فيوحّدكم، ويجمع شملكم، تماماً كما يحرص الأب على أبنائه، والأمّ على أولادها. يحرص عليكم فيخاف أن تضيعوا، وأن تسقطوا، وأن تموتوا، وهو {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}؛ الرّأفة كلّها والرّحمة كلّها، والرّحمة في القرآن الكريم ليست مجرّد حالة عاطفية، ونبضة قلب، وخفقة إحساس، بل الرّحمة هي حركة الإنسان فيما يمكن له أن يحمي الإنسان، من نفسه، ومن غيره، من أجل الانطلاق بالإنسان.

رسول الرّحمة

نقرأ الآية الكريمة وهي تحدّثنا عنه: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ}؛ هذه الرحمة الإلهية التي أنزلها اللّه على النّاس من خلال تجسّدها في النبيّ، بحيث بعث إليهم رسولاً يعيش وعي الواقع، ويواجه كلّ التحجّر؛ تحجّر التقاليد والعادات والعقائد والتعقيدات، وما إلى ذلك، فيواجه ذلك وهو يرى أنَّ هذا التحجّر يمكن أن يتحوّل إلى حجارة تدميه، تماماً كما كانت الحجارة تدمي رجليه وهو في الطّائف، وكما كانت حجارة القذارات تثقل جسده وهو عائد من البيت الحرام أو ساجد بين يديّ ربِّه. كان يعرف أنَّ هناك تحجّراً، وأنَّ الّذي يريد أن يبعث الينابيع في قلوب النّاس، لا بُدَّ له من أن يكتشف في الحجارة شيئاً من الينبوع، لأنَّ اللّه حدّثنا أنَّ من الحجارة ما يتفجّر منه الماء، فهناك ينابيع في قلب الحجارة، لذلك، لا تنظر إلى حجريّة الحجارة، ولكن انفذ إلى أعماقها. لذلك، لا تنفذ إلى النّاس المتحجّرين لتقول إنَّ هؤلاء لا ينفع معهم كلام، ولا يمكن أن ينطلقوا إلى الحوار، اصبر جيّداً، وانطلق بالينبوع من قلبك، وليكن قلبك ولسانك ليّنين، فإنَّ لين القلب ينفذ إلى أعماق الحجارة ليخرج منها الماء، ولين الكلمة ينفذ إلى حجارة العقل من أجل أن يفتح فيها أكثر من ثغرة. {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}[2]، قال ذلك لكلّ إنسان يحمل مسؤوليّة فكر يريد أن يُقنع به إنساناً، أو يحمل مسؤوليّة عاطفة يريد أن يفتح عليها قلب إنسان، قال: أيُّها الإنسان المسؤول، إنّ المسؤوليّة تعني وعي إنسانيّة الآخر والصّبر عليه، فإن كنت مسؤولاً لا تصبر، ابتعد عن المسؤولية، لأنَّك سوف تثقل النّاس فيما تعتبره مسؤوليّتك، وإن لم تعِ أمور النّاس، ولم تفهم حركيّة عقولهم وقلوبهم وأوضاعهم الحياتية، فكيف يمكنك أن تخاطبهم؟ فتِّش عن مفتاح الشخصيّة، وهو مفتاحٌ لا تصنعه عند صانع المفاتيح، ولكن تصنعه وتأخذه من خلال خالق المفاتيح: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ}. ومن مفاتيح الغيب تنطلق مفاتيح الرّسالة، ومن مفاتيح الرّسالة تنطلق مفاتيح الوعي وتنفتح على الحياة كلّها. إنّ صفات الإنسان هي رسالته، ولذلك، إذا أردت أن تتحدّث عن صاحب أيّ فكرة، لا بُدَّ من أن تتحدّث عن أخلاقيته في حركة الفكرة، لأنَّ ذلك هو الرابط الأساسي له بالنّاس. أمّا في مجال العلاقة بالإنسان الذي يتحلَّى بالجمال، ويتمتع بقوّة جسدية، فذلك ينحصر في المجال الذاتي لشخصيته. أمّا علاقة الإنسان بالإنسان، فهي علاقة حركة الفكر الذي يحتاجه الإنسان من إنسان آخر.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 167
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 مميزات مرحلة الشباب
 إحياء اليوم العالمي لمكافحة الفقر
 آثار الحمد لله على واقع الإنسان
 فضيلة الصدق وآثارها على المجتمع
 تهذيب النفس ومحاسبتها
 الدرس الرسالي للنهضة الحسينية
 قيمة الحمد والشكر لله تعالى
 انطلاقة جديدة في باب الاستغفار
 تسخير طاقة الشباب في خدمة المجتمع
 التوعية الصحية بالسلامة النفسية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا