الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
التسوية التاريخية ضرورة وطنية أم ضرورة سياسية

2016/12/25 | الکاتب : د. حسين أحمد السرحان


مع قرب انتهاء تنظيم داعش الإرهابي في المعركة الكبرى لتحرير محافظة نينوى، تدخل الدولة العراقية في مرحلة صعبة للغاية وهي أكثر حرج من مرحلة سيطرة داعش الإرهابي على مناطق واسعة في شمال وغرب العراق. وإذا كانت مرحلة سيطرة تنحصر استحقاقاتها بالتزامات عسكرية وأمنية من جانب الحكومة العراقية لمواجهة داعش وإنهاء سيطرته، فإنّ المرحلة المقبلة تتطلب استحقاقات سياسية تتناسب وطبيعتها. وهذه الاستحقاقات ليس من واجب الحكومة فحسب، بل واجب القوى السياسية المشتركة في إدارة الدولة وخارجها والتي لابدّ أن تصب باتّجاه تبلور رؤية وطنية لمشروع الدولة العراقية ونمط إدارتها في المرحلة المقبلة.

مع هذه البديهية يُلاحظ غياب الوعي السياسي المُدرِكْ لاستحقاقات المرحلة المقبلة لدى جميع القوى السياسية والتي أتضحت من خلال ما طرحه ممثلو تلك القوى في ملتقى الشرق الأوسط الذي عقد في الجامعة الأميركية/السليمانية في تشرين الأوّل الماضي ومحافل عدة أخرى بعد انطلاق عملية تحرير الموصل. وصار واضحاً ضياع وتشتت الطروحات حول تبلور رؤية وطنية ومشروع وطني لبناء الدولة العراقية وتجاوز أخطاء المرحلة السابقة والذي أصبح حاجة حاسمة.

على صعيد آخر، وبعد تصاعد حالة الرفض الشعبي الجماهيري لأداء النظام السياسي الذي تسيطر عليه تلك القوى وما آلت أليه أوضاع إدارة الدولة العراقية وفق منهج المحاصصة الطائفية والحزبية أو ما أطلق عليها "التوافقية والمشاركة" من سيطرة الجماعات الإرهابية على ما يقارب من ثلث مساحة العراق، وسوء الإدارة المالية وضياع الأموال العامة، وغياب التنمية الحقيقية الشاملة، واستشراء الفساد الإداري والمالي في أغلب مؤسسات الدولة، والتي تجسدت بخروج المظاهرات إلى الشارع منذ 31 تموز 2015 ولغاية الوقت الحاضر. وهذا الأمر يدفع القوى السياسية إلى التفكير بإنتاج نفسها من جديد لتسوق نفسها إلى الجمهور على أنّها مستوعبة لاستحقاقات المرحلة المقبلة وستكون انعكاس لإرادة الجماهير.

هذه المقدمة ضرورية لبيان طبيعة المرحلة قبل البدء بمناقشة مضمون ما سُمي "التسوية التأريخية أو الوطنية". مع العرض أنّه خلال السنوات السابقة تم الاتفاق على كثير من مشاريع التوافق ومواثيق الشرف وبتسميات مختلفة لكن بدون نتائج تٌذكر على أرض الواقع.

 

ما تعنيه "التسوية التأريخية"

التسوية لغةً: تسوية مصدرها (سوّى) وتعني حلّ، اتفاق وسط. سعى إلى إيجاد تسوية بينه وبين شريكهِ: إيجادُ حلّ، اتفاقٌ لإنهاءِ الخِلافِ.

ويشير مفهوم التسوية إلى السعي إلى حل الخلافات بين الشركاء بالتراضي، أما سياسياً فهي مصطلح يشير إلى السياسة الدبلوماسية التي ترمي إلى تجنب حالات الصراع من خلال تقديم بعض التنازلات. ومفهوم التسوية كما جاء في المسودة المقدمة من قبل رئاسة التحالف الوطني الدورية تعني "الالتزامات المتبادلة بين الأطراف العراقية الملتزمة بالعملية السياسية أو الراغبة بالانخراط بها، وترفض مبدأ التنازل أحادي الجانب".

"التسوية التاريخية" لازالت مسودة أُعدت من قبل لجنة من المختصين شكلتها رئاسة التحالف الوطني لوضع بنودها. وتعكس رؤية وإرادة قوى التحالف الوطني لتسوية وطنية تنتج مصالحة تاريخية عراقية. وستلعب بعثة يونامي دور الطرف الضامن لتنفيذ بنود هذه التسوية، عبر تجميع مقترحات كلّ الأطراف العراقية لصياغة ورقة نهائية تقوم على حمايتها وتنفيذها. وتعهدت البعثة الأُممية بالتعامل مع أي طرف يهدد أو يعرقل تنفيذها، كما تعهدت بالتحشيد الدولي لصالح المبادرة. كذلك تعهدت بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) بتقديم جهة سياسية سُنية موحدة للتوقيع على الوثيقة، والحصول على موافقة دول إقليمية سُنية بشأنها.

والمرحلة الأخيرة لهذه التسوية هو أن تقوم بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق بمشورة الحكومة العراقية وممثلي التحالف الوطني وباقي الأطراف العراقية بتقديم إستراتيجية تفصيلية للتسوية الوطنية التاريخية في ضوء المبادرات التي تقدّمت بها الأطراف العراقية، بما فيها إعداد خطة تفاوضية ذات سقوف زمنية محددة للدخول بمشغل تفاوضي تفصيلي لجميع المبادرات بإشراف الأمم المتحدة. ويتم التوصل إلى الصيغة النهائية للتسوية وتطرحها البعثة الأممية وتكون ملزمة لجميع الأطراف العراقية ويتم إقرارها في مجلس النواب والحكومة بعد مباركة المرجعيات الدينية ودعم وضمان المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية وفي مقدمتها جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.

هدف المبادرة –كما نصت- هو "الحفاظ على العراق وتقويته كدولة مستقلة ذات سيادة وموحدة وفدرالية وديمقراطية تجمع كافة أبنائها ومكوناتها معاً". وهذا الهدف بذاته جاء متضمناً في مواد دستور جمهورية العراق لعام 2005!.

أما عن الحاجة لمثل هذه المبادرة، فقد جاء في المسودة على أنّها "صيغة إنقاذية للعراق، وأنّها الخيار الإستراتيجي الأفضل لمجتمعنا ودولتنا، ليس فقط إنهاء الخلاف على قضايا الدولة بل تسعى لإعادة بناء الدولة لضمان استمرارها وتقويتها في وجه تحديات الإرهاب والتقسيم واللا أمن واللا عدالة واللا محاسبة واللا استقرار واللا تنمية والجريمة المنظمة والفساد والفوضى".

 

تباعد المواقف من التسوية التأريخية:

المواقف من هذه المسودة من داخل التحالف الوطني نابعة من أجوبتها وشكوكها حول تساؤل مفاده (مصالحة مع مَن؟؟). إجابة هذا السؤال شكلت منطلق لموقف بعض القوى الرئيسة داخل التحالف الرافض لـ" التسوية" ومنها ائتلاف دولة القانون. كذلك رأت بعض قوى التحالف الوطني إنّها فارغة المضمون وهي حبر على ورق ولا يمكن أن تحفز اتباعها للقيام بما توجبه هذه التسوية كما في التيار الصدري لأنّها قد تؤدي إلى مشاركة شخصيات متهمة بدعمها للتنظيمات الإرهابية في مرحلة مابعد داعش. ويأتي هذا الرفض على الرغم من أن المسودة تضمنت إشارة صريحة وهي "لا عودة ولا حوار ولا تسويات مع حزب البعث أو داعش أو أي كيان إرهابي أو تكفيري أو عنصري وتمثيل المكونات والأطراف العراقية يجب أن يخضع للقبول بالثوابت الواردة بهذه المبادرة". وهذا يؤكد عدم توافق أطراف التحالف على مضمون مسودة التحالف.

موقف السيد رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي جاء مخالفاً للرؤى التي طرحتها مسودة التسوية. وتتجه رؤيته إلى أن تكون أكثر محدودية وضيق وهي مصداق لواقعيته في التعامل مع الأزمات ويؤكد الحاجة إلى ما أسماها "تسوية مجتمعية في المناطق المحررة" بين العوائل التي طالها الضرر من سلوكيات داعش الإجرامية من جهة وبين العوائل التي إنضم أبنائها إلى داعش الإرهابي.

وهذا يعني أن التحالف الوطني أرسل مسودة التسوية إلى البعثة الأممية قبل أن يوافق عليها جميع أطرافه مما يدلل اختلاف آراء الأحزاب والكتل السياسية داخله حول مضمون المسودة، كما تُدلل على إيمان بعض أطرافه من أنّ الهدف من طرحها سياسي من حيث التوقيت وطبيعة الوضع السياسي الحالي المرفوض جماهيرياً.

كذلك موقف تحالف القوى الذي رفض حتى استلام المسودة بعد إقرار مشروع قانون الحشد الشعبي. وحتى قبل ذلك ادعت قيادات في التحالف أنّ التسوية فيها شروط والتزامات يحاول التحالف الوطني فرضها على الشركاء في العملية السياسية واوضحوا لاحقاً أنّ إقرار مشروع قانون الحشد الشعبي نسف العملية السياسية وزاد التخوف بين الشركاء.

 

الدلالات السياسية "للتسوية التاريخية":

يلاحظ على مسودة التسوية المطروحة أنّها ترسخ بشكل متزايد الطائفية وتزيد العوائق بين المكونات وتجعل لكلّ منها تنظيم معين يتولى التفاوض حول مضمونها ولم تكتف بهذا القدر بل تطلب ضمانات من دول سنية مجاورة بالتزام القوى السنية بمضمون التزكية وعدم التنصل عنها مستقبلاً ويهذا ترسيخ أيضاً لعدم الثقة بين المكونين الأكبر في البلاد.

وبالتالي هي ورقة للمزايدة السياسية وتدلل على عدم تماسك التحالف الوطني. إذ لايعقل أن التحالف الذي عجز لسنوات عن وضع نظام داخلي يحكم سلوكياته السياسية والتزامات أطرافه تجاه بعضها البعض، وعن اختيار رئاسة له منذ سنوات أن يقدم مبادرة وطنية لبناء الدولة وتجاوز الأخطاء السابقة. كذلك ومن مضمون المسودة المطروحة نجد أنّ التحالف يريد طي كلّ صفحات الأخطاء -بدءاً من فشل مؤسسات الدولة مروراً بسيطرة الإرهاب على مساحات واسعة منه إلى مجزرة سبايكر وأزمة مالية وضياع الأموال العامة وانتهاءاً بحالة اللادولة– بدون محاسبة ولا عقاب وكأنه هي وثيقة للتخلي عن المسؤولية. كذلك كيف نجيب على تساؤل مفاده أين كان التحالف الوطني طوال ثلاث دورات انتخابية عن التسوية والمصالحة ووضع رؤية لبناء الدولة والمجتمع وهو صاحب الكتلة النيابية الأكبر في البرلمان والذي بإمكانه تمرير القوانين الداعمة لبناء الدولة.

خلاصة القول نعتقد أنّ تجاوز حالة الفشل تقتضي محاسبة المسؤولين عنها كخطوة أولى. ومن ثم لا ننسى الدستور العراقي لعام 2005 –مع إشكالياته ونقوصاته– يتضمن ماطُرح في مسودة التسوية فيما يرتبط ببناء الدولة العراقية الحديثة. والأولى العمل على إكمال التعديلات الدستورية وباقي الأطر التشريعية الداعمة لبناء مؤسسات الدولة. وبالتالي إذا ما أردنا تجنب الصراعات المحتملة لابد من تدعيم نظام الدولة ومؤسساتها لتعبر عن جميع المكونات السياسية والمجتمعية ولضمان سيطرتها على موازين القوى المحلية والعمل تدريجياً باتجاه دمجها بالمنظومة الاجتماعية عبر اعتماد الوسائل السلمية في إدارة الصراع الاجتماعي كالنظام الانتخابي العادل والتداول السلمي للسلطة.

 

·       كاتب في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 165
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 تنافس سياسي واحتدام انتخابي في المشهد السياسي العراقي
 الزيادة السكانية في العراق وعلاقتها بالتنمية
 الاستجواب البرلماني في العراق بين البعد القانوني والهدف السياسي
 أثر البطالة وسببها الرئيس في العراق
 مَن رحب بصهر ترامب حاكماً مدنياً في العراق؟!
 صراع الإرادات قبل الانتخابات في العراق
 الانتخابات في العراق وتداول مواقع النفوذ: رأي ومقترح
 التقارب المصري العراقي، رؤية في نشوء القوى التعديلية
 الخصوصية الشخصية عبر الإنترنت
 ما بعد تحرير الموصل بين المخاوف الداخلية والتقاطعات الخارجية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا