الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
المجتمع المتسامح

2017/01/02 | الکاتب : عمار كاظم


يقول سبحانه وتعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران/ 103-105).

لايوجد دين كالإسلام يدعو إلى الوحدة والتعاون والتكافل، ويحذر من الفرقة والخصام والخلاف. يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13). فالعالم الذي يبشر به الإسلام، هو عالم يسوده التعارف والتعاون والمحبة والسلام، بعيداً عن البغض والكره والظلم والتعصب والاستغلال والحروب والخلاف والشقاق. إنّ الإسلام يحضنا على الاختلاف البنّاء، ويأمرنا أن نبحث عن المشترك مع الآخر، وأن نوسع دائرة هذا المشترك عن طريق التعاون في الأمور التي نتفق عليها والحوار البناء في الأمور التي نختلف فيها (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) (آل عمران/ 65). إنّ المسلم مأمور بالتعامل بالحسنى وبالحوار وبالكلمة الطيبة مع من يختلف معه من غير المسلمين (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل/ 125). (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) (فصّلت/ 34). إنّ مبدأ الاختلاف الفكري بين بني البشر، قديم قِدَم الإنسان على هذه الأرض، حيث أشار سبحانه بقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (هود/ 118). فاختلاف مدارك الناس وطباعِهم، ومصالِحهم، وبيئاتهم من جهة، واختلاف الظواهر الكونية من حولنا من ليل ونهار، وبر وبحر،... من جهة أخرى، يفرض علينا تصحيح نظرتنا إلى حقيقة الاختلاف، إذ هو آية من آيات الله في الآفاق، وفي الأنفس (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) (الرّوم/ 22).

لقد أراد الله سبحانه وتعالى للناس أن يعيشوا غنى التنوع في العقل وفي الفكر وفي التجربة وفي حاجات الحياة، ومن الطبيعي أنّ اختلاف هذه الحاجات واختلاف الأفكار والتجارب لابدّ أن ينتج اختلافاً بين الناس. إنّ الاعتراف بالآخر جوهر التسامح الديني والسياسي والاجتماعي، ورفض الآخر وتهميشه جوهر الاستبداد السياسي ولا يمكن إشاعة قيم التسامح في ظل أجواء التفرد والاستبداد بالسلطة، لأنّ طبيعة الاستبداد تقتضي عدم الاعتراف بالحقوق السياسية للآخر. لا بدّ من العمل لتشكيل المجتمع المتسامح والركون إلى العقل والتفكير الواعي السليم لتأسيس مجتمع العدل والسلام والاعتراف والقبول بالآخر والعمل المشترك من أجل بناء الوطن ووحدته وسلامته وأمنه ومستقبله. والإنسان عندما ينطلق في حياته الاجتماعية فإنّ لسانه هو وسيلته للانفتاح على الآخرين في مشاعره وعواطفه وأحاسيسه وفي حاجاته وحواراته وجدالاته وفي دعوة الآخرين إلى ما يؤمن به. أراد الله تبارك وتعالى للناس عندما يتحدّثون ويتحاورون أن يدرسوا كلماتهم ويعرفوا أنّ للناس مشاعرَ وأحاسيسَ كما لهم مشاعرُ وأحاسيسُ، وإنّ الناس يحترمون أنفسهم كما يحترم نفسه وأنّهم لا يريدون لأحد أن يسيء إليهم كما لا يجب أن يسيء أحد إليه (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (البقرة/83)، أي قولوا للناس أفضل ما تحبّون أن يقال لكم، فالكلام اللّين والطيّب هو الذي يجمع الناس ويجعلهم يستمعون إليك ويُقبلون عليك، (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران/159) مشكلة البعض أنّه لا يتحمّل الرأي الآخر ويطلق الكلمات التي تخون الآخرين، الكلمات التي تُهين الإنسان الآخر ويطلق الكلمات التي تُهين الإنسان الآخر متلفظّاً بالكلام البذيء البعيد عن التهذيب، كلمات الغلظة والقول الشديد. والبعض يطلق لسانه ليفسد في الأرض ويثير الفتنة ويقول كلاماً غير مسؤولٍ.

نحن بحاجة الى منتديات ثقافية حوارية يشارك فيها الجميع، فمؤسسات المجتمع المدني يجب أن يكون لها دور في تعزيز قيم التسامح والوحدة والعمل المشترك والانفتاح على الآخرين، كما للمؤسسات الحكومية دور مهما في اشاعة قيم التسامح والوحدة الوطنية الا انه للأسف الملاحظ على اهتمام المسؤولين وليس من أولوياتهم وحدة المجتمع وتماسكه والعمل من أجل حمايته. ندعو الجميع كل من موقعه وقفة جادة للعمل من أجل ترسيخ مفهوم المواطنة والعمل المشترك والتعايش السلمي بين مختلف الأطياف. ويتطلب منا جميعا بث ثقافة التسامح والمحبة والمودة وتحمل الرأي الآخر وتكاتف الجميع حكومة ومؤسسات المجتمع المدني وأفراداً وسياسيين للعمل لتأكيد وتعزيز القواسم المشتركة والتآزر والتضامن والعيش المشترك لتحقق الوحدة بالاحترام والمحبة المتبادلة.

كما نتقدم بالشكر الجزيل للجمعية الكويتية للاخاء الوطني على اهتمامها ببث روح الجماعة وثقافة التسامح والاخاء وعلى تنظيمها للجلسات الحوارية بعنوان ( الخطاب الديني ودوره في تعزيز ثقافة التسامح ) والشكر موصول كذلك للجمعية التربوية الاجتماعية وحسينية دار الزهراء لاهتمامهم ببرامج الحوار من أجل بناء الوطن ووحدته وسلامته وأمنه ومستقبله وتنظيمها للندوات والحوارات ومنها ما أقامته مؤخرا ندوة حول الوحدة والتسامح والعمل المشترك.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 48
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 الزهراء (ع) قمة في العطاء والصبر
 سيدة نساء العالمين بفضائلها
 إدارة الوقت.. رضا ونجاح
 أسباب نشوء التمييز العنصري
 الحث على عمل المرأة
 مكارم أخلاق فاطمة الزهراء (ع)
 الزهراء (ع).. مظهر حي للقيم الفاضلة
 الشباب.. عطاء وطموح
 شذى وأريج الصلاة
 النصف الجميل من المجتمع

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا