الصفحة الرئيسية » كتاب الله
مفهوم الصدقة في القرآن الكريم

2017/01/04 | الکاتب : أسرة البلاغ


الصدقةُ في اللغة: الصدقة في الأصل -كما يقول اللغويون- هو ما يُعطى من المال تطوُّعاً، وصار في الشريعة ما يُعطى من المال بقصد القربة إلى الله تعالى.

استعمل القرآن الكريم كلمة (صدقة) و(صدقات) كاسم للمال الذي يُعطى بقصد القربة والتقرُّب إلى الله سبحانه، وسمّى أموال الزكاة صدقة، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة/ 60)، كما استعمله اسماً للمال الذي يعطيه الرجل للمرأة في زواجه منها.. وهو المهر.. وجاء هذا الاستعمال في قوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (النحل/ 4).

واستعمله في معانٍ عديدة، منها:

(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) (البقرة/ 276). (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا) (النساء/ 92).

(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ) (يوسف/ 88). (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَات اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء/ 114).

لنقرأ هذه المنظومة من النصوص القرآنية، ولنحاول أن نُحلِّل محتوى النص، ونستكشف ما يمكن أن نستنير به من بيان..

إنّ هذه النصوص تُوضِّح: أنّ لفظ الصدقة في أحد معانيه هو اسم للمال الذي يُعطى للمحتاج تطوُّعاً، كما في قوله تعالى: (لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أو مَعْرُوفٍ أو إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (النساء/ 114).

الآية تستنكر النجوى (حديث السر) بإتجاهه التآمري والهدّام.. وتدعو إلى أن يتناجى الناس بالأمر بالصدقة وبالمعروف وبالإصلاح..

إنّها تدعو إلى الإنفاق المالي، وإلى نشر المعروف والإحسان، وإصلاح المجتمع.. وجاءت الصدقة في هذا النص، وضمن السياق، أحد عناصر البناء الاجتماعي بعطفها على المعروف والإصلاح.. وبذا يُبرز القرآن أهميّة الصدقة لعلاقة المال بالإصلاح ومحاربة الفساد الناتج عن الفقر والعوز.. وسنعرف أنّ الصدقة هي ليست هذا التطوُّع الاستعلائي بالمال من قبل المتبرِّع لتنتج متبرِّعاً مستعلياً، وفقيراً متدنياً، يمد يده لتتلقى ما يلقى فيها من عطاء.. إنّها غير ذلك..

وفي آية تحديد موارد صرف الزكاة.. سمّى القرآن الزكاة صدقة، وإن كانت واجبة وليست إخراجاً تطوُّعياً للمال.. غير أنّ هذا الإخراج ينطلق من دافع تطوُّعي ورغبة في التقرُّب إلى الله تعالى، فهو مال يُنفَق دون مقابل مالي أو معنوي أو أي منفعة أو عوض دنيوي يعود على منفق الزكاة؛ لذا استحقّ أن يُسمّى صدقة.

قال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (التوبة/ 60).

والقرآن يُسمِّي الموقف الأخلاقي.. موقفُ المعروف والإحسان صدقةٌ وعملُ الخير صدقةٌ، ذلك ما نقرأه في آية تنازل أهل القتيل عن الدية، واعتبارها صدقة منهم على مَن وجبت عليه الدية، لأنّها عفو وتسامح وتنازل طوعي عن المال.. فسمّى العفو والتسامح هنا صدقة.. وفي حديثه عن قصة يوسف (ع)، سمّى تسامحه مع إخوانه صدقة..

إنّ استقراء النصوص القرآنية والنبوية الكريمة.. واستجلاء مفاهيمها.. يوصلنا إلى أنّ الصدقة في مفهومها القرآني الذي أوضحه الرسول الكريم (ص) إنّها تعني الدعوة إلى الجهد الطوعي لبناء المجتمع.. وإنّها تعني نشر القيم الإنسانية والأخلاقية التي تسمو بالإنسان إلى مستوى التعامل البنّاء مع النفس والمجتمع، وتربية النفس الإنسانية على الاهتمام بالآخر، بل والاهتمام بالحيوان المرافق للإنسان في هذه الطبيعة.. وإنها طريق إلى توثيق الصلة التعبُّدية والإيمانية مع الله سبحانه والتقرُّب إليه.. وليست الصدقة -كما يفهمها معظم الناس- إنّها عطاء مادي استعلائي.. يتفضّل به الأغنياء على الفقراء، وكثيراً ما يكون لدى المعطي نظرة استعلائية يتعامل بها مع المُتصدَّق عليه.. وربما صاحب هذا العطاء المنّ على مُستقبِل الصدقة، أو أذى اللسان، لذا حذّر القرآن من هذا الفهم والشعور والتعامل مع الصدقة، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى) (البقرة/ 264)، (قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة/ 263).

وبالعودة إلى القرآن، نجده يتحدّث عن الصدقةِ في عنوانين واسعين تحتهما تفصيلات كثيرة.. يتحدّث عن الصدقة المادية، وعن الصدقة المعنوية.. صدقة الإحسان والمعروف بجوانبه الإنسانية، كما في قصة يوسف (ع) وفي آية الإعفاء من الدية.. وعند الانتقال من الكتاب إلى السنّة المطهّرة، نجد الرسول الكريم محمداً (ص) يفيض في اتساع مفاهيم الصدقة في جوانب المعروف والإحسان الإنساني غير المادي، كما أفاض في بيان أهميّة الصدقة المادية وأثرها التعبُّدي والاجتماعي..

وإذاً، فلننتقل إلى رحاب السنّة المطهّرة.. ولنقرأ تعريفاتها الواسعة لمفهوم الصدقة ومصاديقها..

والصدقةُ في مفهوم الشريعة، سواء الواجبة أو المستحبة منها، لا تحل للفقير القادر على الكسب والعمل وتحصيل حاجته المادية، إلا إذا خرج إلى التكسُّب وطلب العمل وسعى في ذلك ولم يتوفر له العمل أو ما يكفيه من حاجته المادية، لئلا ينشأ في المجتمع أُناس عالة على الزكاة الواجبة أو الصدقات المستحبة أو يمتهنون التسول والاعتياش على عطاء الآخرين ومجهودهم وهم يعيشون في أجواء الكسل والترهل.. فالإسلام دين العمل والنشاط والعطاء، وقد ورد عن الإمام موسى بن جعفر (ع): "إنّ الله عزّ وجلّ يبغض العبد النوام الفارغ".. وثمة مسألة إصلاحية هامة، وهي أنّ الشريعة الإسلامية فسحت المجال أمام المتصدِّق في أن يعطي صدقته للناس الذين يرتكبون المعاصي كالسرقة والزنا والرشوة... إلخ، بسبب الحاجة ودافع الفقر، ليتجه المال نحو سد هذه الذرائع ومنعهم من ارتكاب هذه المعاصي، فتكون الصدقة إحدى وسائل محاربة الفساد وإعادة المنحرفين إلى الاستقامة.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 189
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 مفهوم الصدقة في القرآن الكريم
 الأثر النفسي لإعطاء الزكاة
 الأمة الإسلامية.. أمة التطوع
 فوائد زكاة الفطرة على المجتمع المسلم
 الفُـطْـــــرة
 الصدقة في القرآن والسنة
 الصدقة.. ثقافة سلوكيّة ومشروع حضاري
 صدقة السلوك الدائم
 الصدقة في القرآن
 موقع الزكاة ومعطياتها

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 فوائد زيت السمسم
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا