الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الاستعداد النفسي للحوار

2017/01/19 | الکاتب : عمار كاظم


الحوار أو النقاش في قضية ما قبل أن يكون أُطراً وهياكل، هو روحية واستعداد نفسي، يرتبط بوجداننا وقيَمنا الإسلامية، التي أسست لهذا الخيار في كلّ جوانب وشؤون حياتنا. والحوار لا يستهدف شيوع حال الفوضى في الآراء والمواقف، وإنما تضييق مساحات الخلاف والنزاع، وإبراز عناصر الوحدة والائتلاف. فمن ساحة الحوار تنتج الوحدة، وبالحوار تضمحلّ الخلافات، وتزول أسباب الصراع العُنفي. وهكذا، فإنّ الإنسان لا يجسد قيَمَه إلّا بالمزيد من الحوار. حوار الإنسان مع ذاته، وحواره مع محيطه المجتمعي. والحوار بين الأديان ومكونات الأُمّة الفكرية والاجتماعية، هو مشروع مفتوح على كلّ التجارب، ويُفيد من كلّ الممارسات والمكاسب الإنسانية، لذلك فإنّ عملية الحوار مطلوبة لذاتها، وبحاجة إلى عمل الجميع من أجل إرساء دعائم وتقاليد الحوار المتحضر في فضائنا المعرفي وغيرها من المجالات. وتنبع فاعلية وعمق الحوار من أنّه يجعل كلّ الآراء والقناعات والمواقف في ساحة التداول، لتقيمها وتطويرها. ولا ريب في أنّ لهذه العملية التداولية تأثيرات إيجابية في الصعيد المجتمعي، حيث إنّها تحرك الراكد، وتبحث في آفاق وفرص جديدة ممكنة، وفي المحصلة النهائية تكون عملية الحوار فاعلية مجتمعية متميّزة. ومن المؤكد أنّ النص القرآني، هو نص حواري بامتياز، فتحدّث عن كلّ الموضوعات والقضايا من دون موانع وعقبات، واستخدم في ذلك أدق التعبيرات وأبلغها دلالة ومعنى، وأكّد في آياته ضرورة التفكر والتعقل والتدبّر والنظر والتأمل، ووبّخ أولئك النفر الذين يسيرون بلا هدى وبصيرة، أو يقلّدون الآخرين من دون علم ومعرفة، إذ قال تعالى: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (يونس/ 89). وقال تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف/ 179). وعلّمتنا التجارب أنّ غياب الحوار كإستراتيجية لتنظيم العلاقات بين مجموع المكونات المختلفة الموجودة في عالمنا، يهدد الجميع بانقسامات. لذلك من الضروري أن نؤمن، إيماناً عميقاً، بأنّ الحوار هو سبيلنا جميعاً لحل مشكلاتنا، وتجاوز موروث الحقد والضغينة. ولكي نصل إلى المستوى الأخلاقي لممارسة الحوار بعيداً عن كلّ فكر غريب يسعى للانقسام، نحن بحاجة إلى مجاهدة النفس، والتغلّب على الأهواء والنوازع الضيقة، والانعتاق من كلّ أشكال التعصّب الأعمى للذات أو لأفكارها وقناعاتها، والسعي الحثيث نحو الاقتراب من الآخر، ومحاولة فهمه بشكل مباشر. إنّ تواصل الحوار بين الأطراف المختلفة، فئات أو أفراداً، يفضي مع مرور الزمن إلى تقلّص شقة الخلاف بينهم، وذلك لدخول هذه الأطراف في استفادة بعضها من بعض، حيث إنّ هذا الطرف أو ذاك قد يأخذ في الانصراف عن رأيه متى تبيّن له، عند مقارعة الحجة بالحجة، ضعف أدلّته عليه، ثم يتّجه تدريجياً إلى القول برأي مَن يخالفه، أو يأخذ، على العكس من ذلك، في تقوية أدلّته متى تبينت له قوة رأيه، مستجلباً مزيد الاهتمام به من لدن مخالفه، حتى ينتهي هذا المخالف إلى قبوله والتسليم به. فإنّ الحوار ينزل منزلة الدواء الذي يشفي منه. وإنّ الضرورة الحضارية تفرض علينا وعياً مزدوجاً لعملية الحوار الديني والثقافي، ووعي مستوى الحوار الثقافي والإنساني الذي وصلت إليه المجتمعات المتقدمة بين دولها وتياراتها ومدارسها الفلسفية والفكرية والسياسية. فيجب أن تكون الاختلافات مدعاة إلى الحوارات العميقة، لا لكي نتنقل في قناعاتنا، وإنما من أجل أن نتعرّف إلى وجهات نظر بعضنا البعض. ولنتذكّر دائماً وصية الحكيم لقمان لابنه حينما قال: "يا بني، كذب مَن قال إنّ الشر بالشر يُطفَأ، فإن كان صادقاً فليوقد نارين ولينظر، هل تطفئ إحداهما الأخرى، بل يُطفئ الخير الشر، كما تطفئ الماء النار".

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 97
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 مفاهيم رمضانية
 التنافس في المودّة
 صحبتنا مع الشهر الكريم
 ليلة القدر.. ليلة المقادير السنوية
 الخوف والرجاء
 أُسس الإيمان الواعي
 الدعوة إلى الله في كل مجالات الحياة
 العتق من النار
 في وداع الشهر الفضيل
 التوبة إلى الله سبحانه وتعالى

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا