الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
ترامب وسياسة حافة الهاوية

2017/01/28 | الکاتب : د. إبراهيم أبراش


لاشك أنّ الرئيس الأمريكي ترامب شكل نمطاً غير مألوف أمريكا ودولياً، سواء من جهة أسلوبه الخطابي أو من جهة أصوله الاجتماعية والوظيفية أو من جهة نظرته للإدارات الأمريكية السابقة وللعالم، ولاشك أيضاً أنّه أثار قلق ليس فقط حلفائه الأوروبيين ودول في الشرق الأوسط بل أيضاً قلق وغضب فئات متعددة داخل المجتمع الأمريكي، كلّ ذلك خلق حالة (الترامب فوبيا) التي نستشفها من تصريحات وكتابات ساسة وصحفيين.

 نعتقد أنّ التخوف مشروع ولكن هناك مبالغة في قدرة ترامب على إحداث تغييرات كبيرة، فحتى وإن كان راغباً في ذلك فالأمر يحتاج لوقت لأنّ ترامب رئيس للولايات المتحدة الأمريكية، دولة المؤسسات السياسية العريقة والمركب الاقتصادي العسكري والمصالح الممتدة عبر القارات، وليس رئيس قبيلة أو رئيس دولة من دول العالم الثالث.

كما أنّ الحكم على سياسات زعماء الدول يكون بعد توليهم كرسي الرئاسة وليس من خلال حملتهم الانتخابية، ومن خلال الأفعال وليس الأقوال، وما هو خفي في السياسة أكبر بكثير مما يُقال أو يُفصَح عنه في الخطابات والتصريحات العلنية، دون أن ننسى أنّ ترامب مرشح الحزب الجمهوري ودوماً كان الحزب الجمهوري على يمين الحزب الديمقراطي سواء في السياسة الداخلية أو السياسة الخارجية.

في ظني أنّ ترامب وبالرغم من انتقاداته للإدارات الأمريكية السابقة وخصوصاً إدارة أوباما إلّا أنّه سيوظف انجازات سابقيه وما تم تحقيقه وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، وفي نفس الوقت سيُحرر أمريكا الدولة من السلبيات والأخطاء الناتجة عن الإدارات السابقة ويلقي بها على مسؤولية الحزب الديمقراطي والرئيس أوباما. الفرق بين ترامب وأوباما أنّ ترامب يوظف سياسة (حافة الهاوية) حيث يبدأ بالهجوم والتصعيد وصدم كلّ الأطراف ثم يتدرج بالتراجع والتنازلات، أما أوباما فقد بدأ بخطاب لين ومثالي ومتصالح مع الجميع ثم مارس عكس كلّ ما كان يقول وخصوصاً فيما يتعلق بمشكلة الشرق الأوسط.

الجديد في شخصية ترامب وسياساته المتوقعة أنّه أكثر واقعية وأكثر تحرراً من تركة الحرب الباردة بتحالفاتها وأحلافها ومنظماتها الدولية، أو بصيغة أخرى إنّه ابن زمانه، زمن المال والاقتصاد والواقعية السياسية. لو تمحصنا بعض التصريحات والمواقف التي دفعت كثيرين للخوف من التوجهات السياسية لترامب لوجدناها تندرج ضمن سياسة حافة الهاوية وهي جزء من السياسة الواقعية:

1-    ترامب ومقوله (أمريكا أوّلاً)  

ترامب لم يأتي بجديد، لأنّ كلّ دول العالم تنطلق من مبدأ المصلحة القومية أوّلاً، حتى الإدارات الأمريكية السابقة كانت تتصرف على هذا الأساس. فلا نعتقد أنّ إدارة أوباما عندما أرسلت جيوشها للشرق الأوسط وغيرها من المناطق ونشرت الفوضى والخراب إلخ إنما للدفاع عن شعوب العالم ونشر الديمقراطية على حساب مصالحها القومية!. كلّ الإدارات الأمريكية السابقة كانت تعمل للحفاظ على مصالح واشنطن وحليفتها إسرائيل، كما أنّ هذه التدخلات لم تكن بلا ثمن بل كانت بثمن باهظ تدفعه الدول المتلقية (للمساعدات)، مثلاً الدول الخليجية اشترت بمئات ملايير الدولارات صفقات أسلحة كما تدفع هذه الدول نفقات القواعد العسكرية الأمريكية القائمة على أراضيها أيضاً السيطرة على النفط والتجارة الخارجية والاستفادة من تريليونات الدولارات الخليجية الموظفة في الاقتصاد الأمريكي.

2-    ترامب والدعوة لعزلة الولايات المتحدة

تاريخياً هناك جدل داخل الحزب الجمهوري بين دعاة الانغلاق ودعاة الانفتاح. ويبدو أنّ ترامب من دعاة الانغلاق ولكن ليس الانغلاق الكامل، لأنّ طبيعة التكوين الاجتماعي للولايات المتحدة الأمريكية وما وصل له اقتصادها من نمو لا يسمحان بذلك. لذا لا يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن تعزل نفسها عن العالم لعدة أسباب أهمها الاقتصادية، حيث قوة الاقتصاد الأمريكي وحالة الرخاء فيها مرتبط بسياستها الإمبريالية بحيث يمكن القول بأنّ إمبريالية أمريكا هو ضمان وجودها واستمرارها كدولة. عزل أمريكا عن العالم يعني انهيار المركب العسكري الاقتصادي الركيزة الأساسية للاقتصاد الأمريكي، وهذا المركب يعتمد على الهيمنة الإمبريالية لواشنطن.

3-    القول بأنّ ترامب يعزز الشعوبية والنزعات اليمينية

هذا قول صحيح ولكن، الشعوبية ظاهرة عالمية سابقة لترامب وتتجاوز حدود الولايات المتحدة. الشعوبية واليمين المتطرف كان وراء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهذه النزعة ممتدة في كثير من دول أوروبا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها فإنّ اليمين المحافظ واليمينيين الجدد صعدوا إلى مواقع قيادية في الإدارة الأمريكية منذ الثمانينيات، وترامب نتيجة أو خلاصة لهذه التوجهات. الشعوبية ستثير إشكالات داخل الولايات المتحدة بسبب التركيبة السكانية فيها وهذا هو الخطر من شعوبية ترامب وليس تداعياتها على السياسة الخارجية.

4-    الموقف من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي

قبل أن يثير ترامب هذا الموضوع فإنّ جدلاً كان يثور داخل أوروبا حول دور ووظيفة هاتين المؤسستين اللتين من مخلفات الحرب الباردة وكانت وظيفتهما مواجهة الخطر الشيوعي – الاتحاد السوفيتي سابقاً- وكان دعم واشنطن لهما من هذا المنطلق، أما اليوم  فترامب رجل الاقتصاد يُدرك أنّ الصراعات القادمة ستكون حول المصالح الاقتصادية وهو يرى أنّ الخطر على الولايات المتحدة في هذا السياق لا تمثله روسيا بل الصين وبالتالي على الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي التكيف مع هذه المتغيرات.

5-    ترامب والشرق الأوسط

أثار ترامب غضب وخوف دول المنطقة عندما انتقد صفقة الاتفاق النووي مع إيران وهدد بإلغائها، كما انتقد طريقة تعامل واشنطن مع دول الخليج متهما الإدارات السابقة بأنّها تحمي هذه الدول دون مقابل، وعلى هذه الدول دفع مقابل الحماية الأمريكية لها - وقد بينا أعلاه عدم صحّة هذا الزعم، ولكنه يريد المزيد - . كما وعد بمحاربة الجماعات الإسلامية المتطرفة بلا هوادة، ونعتقد أنّ وراء هذا الموقف من هذه القضايا يكمن حرصه على إسرائيل ومواجهة كلّ مصادر تهديدها، أيضاً العداء للإسلام والمسلمين وما يؤكد ذلك موقفه من المسلمين الأمريكيين، وطقوس تنصيبه حيث ألقيت كلمات رجال دين مسيحيين ويهود، مع أنّ عدد المسلمين في الولايات المتحدة يفوق عدد اليهود.

نعتقد أنّ سياسة إدارة ترامب تجاه الشرق الأوسط ستُبنى على انجازات سابقيها من الإدارات الأمريكية. حتى وإن كان ترامب راغباً بمحاربة الجماعات الإسلامية المتطرفة وإيران فسيحتاج للدول العربية، ومن هنا نلاحظ مواقف عربية مرحبة بفوز ترامب مثل مصر والعربية السعودية. ولكن ما نخشاه أنّ ترامب سينقل فوضى الربيع العربي لدول أخرى كإيران وتركيا والعربية السعودية.

6-    ترامب والصراع الفلسطيني الإسرائيلي

تصريحات ترامب حول هذا الموضوع وخصوصاً رغبته بنقل مقر السفارة الأمريكية للقدس، بالإضافة إلى خلفيته السياسية أثارت غضب وقلق ليس فقط عند الفلسطينيين بل عند كثير من قادة العالم، لأنّ إقدامه على هذه الخطوة سيترك تداعيات خطيرة على مجرى الصراع وعلى عملية التسوية السياسية وقرارات الشرعية الدولية التي تؤكد جميعاً بأنّ القدس الشرقية جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة ومن دولة فلسطين، ومن جهة أخرى فإنّ الإقدام على هذه الخطوة سينهي عملية التسوية السياسية التي ترعاها واشنطن.

وفي هذا السياق يجب أن لا نستبعد أن يكون في جعبة ترامب رؤية لتسوية سياسية جديدة تقصي القدس وقضية اللاجئين، ويريد تمريرها من خلال التصعيد أو الهجوم المبكر على العرب والمسلمين ليصدمهم أوّلاً ثم يفرض العودة لطاولة المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين انطلاقاً من رؤيته الجديدة الأكثر انحيازاً لإسرائيل، وليس انطلاقاً من النقطة التي توقفت عندها المفاوضات.

نعم نقل السفارة أمر خطير، ولكن ترامب سيستفيد في تمرير قراره من أوضاع خلقتها الإدارة الأمريكية في عهد أوباما، فهذه الأخيرة سكتت على عمليات الاستيطان والتهويد في القدس وكامل الضفة الغربية، واستعملت أو هددت باستعمال حقّ الفيتو في وجه كلّ مشروع قرار يُدين الممارسات الإسرائيلية في القدس – باستثناء قرار 2334 – ولم تعترف بالدولة الفلسطينية، بالإضافة إلى ما الحقته من خراب ودمار في العالم العربي تحت مسمى الربيع العربي، مما أضعف قدرة العرب على مواجهة أي خطوات تصعيدية كقرار نقل السفارة الأمريكية أو حتى قرار ضم إسرائيل لجزء من الضفة الغربية.  

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 221
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 العراق والقمة الأميركية–الإسلامية
 ممثل يموت أثناء تأدية دوره في مسلسل رعب
 لعبة الأُمم مرة أخرى
 ترامب يحصد نتائج ما زرعه أوباما
 القمة العربية الأمريكية بين الحل الإقليمي و المصالح الأمريكية
 متحف للمثلجات يستقطب اهتمام الزوار
 أوباما يعود للحياة العامة
 بلدة أميركية للبيع
 مزاجية ترامب تزيد من غطش فضاء العلاقات العراقية الأميركية
 وصمة عار

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا