الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
التقارب المصري العراقي، رؤية في نشوء القوى التعديلية

2017/02/26 | الکاتب : د. سهاد إسماعيل خليل


أسفرت تداعيات الأحداث والأزمات المتعاقبة وتطور التفاعلات الجيوسياسية في المنطقة، إلى إعادة النظر في الخريطة الجيوسياسية للسياسة الخارجية العراقية، بتبني نظام جيوبولتيكي قائم على أساس اتباع إستراتيجية إقليمية جديدة ترتكز على نظام توازن المصالح وتوظيف الفرص، لتغير أنماط التفاعلات الدولية وأدواتها مما أنعكس على تغير وتطور القضايا الإقليمية وحركة تفاعلاتها الجيوسياسية، مما أدى إلى تفكيك العلاقات والتحالفات القديمة والعمل على إعادة تشكيل وبناء تحالفات دولية وإقليمية جديدة يكون للقوى التعديلية دور في صياغتها. مما يتيح للعراق ومصر هامش من الحركة السياسية الخارجية بإيجاد مواطئ قدم في تحالفات وترتيبات وتنسيقات (أمنية، اقتصادية، سياسية)، تلبي مطامح وتطلعات كلا الدولتين.

 تعمل مصر باتجاه استعادة المكانة المصرية في البيئة الإقليمية العربية والأفريقية باعتبارها أحد ركائز تدعيم بيئتها الداخلية التي تعاني من اختلالات منذ عام 2011 بعد (ثورة يناير). فإنّ علاقات التأثير والتأثر بين بيئتها الداخلية والإقليمية والدولية علاقة تكاملية، إذ كلما كان هناك دور إقليمي لمصر كلما كان له مردود إيجابي على بيئتها الداخلية والعكس صحيح. فهي على مرّ التأريخ تجد بالمحيط الإقليمي العربي مجالها الطبيعي لتحديد مكانتها في التفاعلات الإقليمية والدولية، بدءاً من القضية الفلسطينية وتفاعلاتها، مروراً بالأحداث والتحولات الإقليمية في المنطقة منذ عام 1991 وحتى يومنا هذا.

 تدرك مصر تماماً وظيفتها الإقليمية في المنطقة العربية. وكيفية توظيف التفاعلات الإقليمية والدولية بما يعزز أهمية تلك الوظيفة التي تنعكس على تحقيق مصالحها. إذ مع تطورات الأحداث في المنطقة العربية وما رافقها من تطور في البيئة الداخلية المصرية متمثل بالحراك الشعبي في أحداث التغيير الثاني في ثورة الشعب المصري في حزيران 2013 وعزل محمّد مرسي وإسقاط حكومة الأخوان المسلمين وتشكيل حكومة جديدة تدرك حقيقة التفاعلات الإقليمية والدولية ومتطلبات الواقع والطموح المصري، فكانت سياساتها مؤاتية لاستثمار الفرص المتاحة في المحيط العربي عبر الاستجابة السريعة لمتغيرات ومتطلبات المرحلة الحالية في علاقات الدول العربية مع بعضها البعض، وعلاقاتها الدولية والإقليمية من جهة، والحرب على الإرهاب والأزمة السورية من جهة أخرى.

إذ بدت هذه الاستجابة السريعة والمرنة في التعاطي مع هذه المتغيرات في الخريطة السياسية العربية – العربية والعربية - الإقليمية والعربية – الدولية بمنطلق وظيفي يربط بين البيئة المصرية ومتطلباتها في الحفاظ على الذات المصرية من جهة وتحقيق متطلبات الأمن القومي المصري من جهة أخرى، وبين ضرورة الحفاظ على وظيفتها الإقليمية في المحيط العربي والأفريقي في ظل صياغة الخريطة الجيوبولتيكية السياسية الجديدة للمنطقة.

 وبذلك يشكّل التقارب العراقي–المصري، أحد أنماط التفاعلات الجديدة في المنطقة مما يشكّل تحدياً إقليمياً مؤثراً في التفاعلات الجيوسياسية القديمة في المنطقة ذات الإرث التأريخي المؤثر والكبير في توزيع الأدوار والتوازنات في منطقة الشرق الأوسط ودوره في التعاطي مع القضايا المطروحة في تحديد أولوياتها من عدمه، كما هو الحال في العلاقات المصرية–الخليجية بشكل عام والعلاقات المصرية–السعودية بشكل خاص. ويعد موقف مصر من الأزمة السورية أحد الفرص الإستراتيجية التي ممكن أن تتيح لمصر الحفاظ على مكانتها الإقليمية أو تعزيزها، لاسيما بعد التحوّل الكبير في إدارة الموقف بين الرئيس المعزول محمّد مرسي والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. فضلاً عن دورها في الحرب على الإرهاب ومواجهة الجماعات الإسلامية المتطرفة في ليبيا، كما هو دور العراق ومركزه في الحرب على الإرهاب المتمثل في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي.

 إنّ عملية التبدّل والتحوّل في المواقف المصرية إزاء العراق وزيادة وتيرة الفاعلية السياسية بين البلدين، يعدّها البعض بمثابة تكتيك (مناورة إستراتيجية) تعتمدها مصر للضغط على المملكة السعودية بعد التوتر في العلاقات المصرية–السعودية نتيجة عدم التوافق في الرؤى والأهداف بين المملكة السعودية بقيادة الملك سلمان بن عبد العزيز ومصر برئاسة عبد الفتاح السيسي، إذ برهنت العديد من التوجهات السعودية والمصرية على عدم الانسجام فيما بينها بدأت بالحرب التي تخوضها السعودية ضد اليمن وموقف مصر منها وانتهاءاً بالموقف المصري المعارض للموقف السعودي تجاه الأزمة السورية.

إلّا أنّ تطور الأحداث والمواقف يؤكّد بأنّ ما تنتهجه مصر هو ضمن قراءة إستراتيجية تهدف إلى أن يكون لها دور مهم في إعادة هيكلة المنطقة مما يؤدي إلى بروز أنماط جديدة في العلاقات الإقليمية والدولية في المنطقة، بما يستدعي تفكيك أدوار إقليمية وإنشاء أدوار وقوى جديدة تهدف إلى تحقيق المصالح المشتركة. وتسعى مصر لإحياء دورها ووظيفتها الإقليمية بتبني سياسة خارجية تستهدف العراق ومناطق التوتر والأزمات في المنطقة باعتبارها مركز التغير والتغيير في المنطقة.

 تبنت مصر مبادرة تحسين العلاقات مع العراق عبر العديد من القنوات السياسية والدبلوماسية والعسكرية والتجارية وعلى مستويات مختلفة ومتنوعة، واجتهدت بأن تضفي المصداقية على هذا التوجه الجديد عبر الإعلان عن مواقف رسمية داعمة للموقف العراقي ولاسيما في الحفاظ على وحدته وسيادته وحربه ضد الإرهاب، حيث دعمت الحكومة المصرية تشكيل الحكومة العراقية برئاسة حيدر العبادي. كما رفضت مقترح الكونغرس الأمريكي في نيسان 2015 بتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم. في المقابل كانت الاستجابة العراقية نحو الانفتاح تجاه مصر إيجابية بنحو يدفع باتجاه تعزيز وتطوير العلاقات بشكل يضمن تحقيق مصالح البلدين، إذ أقدم العراق على عقد العديد من اللقاءات وفي مختلف المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، آخرها كان الاتفاق على دعم مصر بـ(مليوني برميل نفط) شهرياً وإلغاء التأشيرة لدخول المصريين.

 إنّ هذا التطور السريع في العلاقة بين البلدين باتجاه حسم الخلافات وتقريب المشتركات الداعمة بتوطيد العلاقة، يؤكد بأنّ البيئة الإقليمية بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة التحالفات الإقليمية وفق رؤية إستراتيجية جديدة تكون روسياً الاتحادية أحد أطرافها من جهة، وإدارة أمريكية جديدة تسعى إلى إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط بما يتوافق وتوجهاتها الإستراتيجية الجديدة بالإحاطة بالقوى التعديلية الراغبة في الدخول إلى منطقة الشرق كمنافس للولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي يمكّن العراق ومصر من امتلاك أدوات ضاغطة باتجاه التعامل مع الولايات المتحدة الأميركية.

 وتعدّ التحالفات والترتيبات الأمنية الناشئة لمكافحة الإرهاب عموماً وتنظيم داعش الإرهابي خصوصاً، أحد تلك الفرص الإستراتيجية للمناورة مع الولايات المتحدة الأميركية، لذا يعدّ هذا التقارب بمثابة الفرصة الإستراتيجية لكلا الدولتين لتعزيز مكانتهم ودورهم الإقليمي.

 

·      الكاتبة من مركز المستقبل للدراسات الإستراتيجية

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 197
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 استفتاء إقليم كردستان: مغامرة لضمان المصالح
 استهداف الفساد ركيزة للحكومة والإصلاح الاقتصادي
 التنمية الاجتماعية في العراق
 العلمانية في الطريق إلى بغداد
 تنافس سياسي واحتدام انتخابي في المشهد السياسي العراقي
 الزيادة السكانية في العراق وعلاقتها بالتنمية
 الاستجواب البرلماني في العراق بين البعد القانوني والهدف السياسي
 أثر البطالة وسببها الرئيس في العراق
 مَن رحب بصهر ترامب حاكماً مدنياً في العراق؟!
 صراع الإرادات قبل الانتخابات في العراق

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا