الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
صراع الإرادات قبل الانتخابات في العراق

2017/04/15 | الکاتب : حمد جاسم محمد الخزرجي


منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في عام 1921م، والتغيرات السريعة هي صفة النظام السياسي فيه، وعلى الرغم من أنّ التغيرات يمكن أن تؤشر على أنّها تطور في لذلك النظام، إلّا أنّها في الحالة العراقية قد أخذت أبعاد تصارعية عنيفة، بسب شكل التغير ومضمونه والأدوات المستخدمة فيه، والقوى المحلية الإقليمية والدولية المؤثرة فيه، إنّ طبيعة الصراع السياسي في العراق يأخذ أبعاد تاريخية مما يتطلب البحث في جذورها وأسبابها التي خلقت تراكمات سياسية يتم التعبير عنها سياسياً وأيدولوجياً بوصفها مبررات سلوك سياسي آني معين.

إنّ احتدام الصراع على السلطة داخل الأغلبية الشيعية في العراق مع قرب الانتخابات المحلية ولبرلمانية، قد يقود إلى خطر تحوّل الصراع إلى العنف ونسف المساعي التي تقودها الحكومة العراقية والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة لهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، ولأوّل مرة منذ الانسحاب الأمريكي في نهاية 2011 اقتربت بعض القوى الشيعية من حمل السلاح في مواجهة بعضها البعض، ووصل الأمر إلى تبادل الاتهامات والتهديدات والتعدي على بعض المسؤولين في الدولة العراقية.

 إنّ المعركة التي كانت من المفترض أن تصرف أنظار العراقيين عن المشهد السياسي إلى حد ما، وأنّ تقوب من تماسك المجتمع كلّه، لم تنهِ أزمة "البيت الشيعي" رغم نجاحات القوات العراقية في المعارك ضد "تنظيم داعش"، بل ربما تكون تلك النجاحات سبباً آخر لتفاقم الأزمة، خصوصاً التخوّف من استثمار البعض لانتصارات الحشد الشعبي ومساهماته الميدانية سياسياً، مما ولّد نوعاً من التسابق والتنافس المبكر للانتخابات القادمة.

 ويعود تاريخ الصراع بين قوى التحالف الوطني إلى عام 2010، وتحديداً في مسألة رئاسة الوزراء، التي تم حلها من خلال إبقاء السيد (نوري المالكي) لولاية ثانية، وهذا يبيّن حسب رأي المحللين أنّ هناك رؤيتين للتحالف الوطني لإدارة الدولة، رؤية تبدو متطرفة تعتمد القوة في إدارة الدولة، وأخرى معتدلة وتحظى بدعم المرجعية الدينية.

إنّ المشكلة الأساسية في العراق هي مشكلة بعض الساسة الذين وصلول إلى السلطة بعد الاحتلال عام 2003، والذين بدأوا بالاستحواذ على كلّ مقدرات البلاد، ويتقلبون ذات الشمال وذات اليمين تبعاً لأهوائهم فيميلون حيثما مالت مصالحهم، إنّهم يحاولون إيهام الناس على أنّهم أصحاب حضارات، بل ويقيسون أنفسهم كونهم يعيشون آخر ما وصلت إليه المجتمعات السياسية المتقدمة... وهم يدركون مدى التخّلف الذي تثوي فيه مجتمعاتهم التي تعيش تفكير العصور الوسطى! إنّهم يدركون جيداً بأنّ العلاقات السياسية والاجتماعية أشبه بحياة الغابة، هنا التغيير ضروري ومطلوب ولكن لست تغيير مَن ينقلب على عقبيه وقد اختار صراعات الطائفية بديلاً عن صراع الديمقراطية والانتخابات الحرة.

 إنّ مشكلة الديمقراطية اليوم في العراق أصبحت تتوزع على جميع القوى والتيارات وإنّها قد أصبحت أداة سهلة للشغب والانقسامات والانشطارات والتشظيات والأحقاد والكراهيات، وإنّها قد خلقت أزمات في داخل بنية الحزب الواحد، فلا يمكن أن يتخّيل العالم أحزاب عريقة جداً مثل في العراق وهي تنقسم فجأة على نفسها وتتشظى لتستخدم العنف بين أعضائها، ربما يقول قائل إنّ تجارب برلمانية وحزبية في أنحاء شتى من العالم قد حدثت فيها انشقاقات كهذه، نقول نعم، ولكن قد يحدث هذا حتى الضرب وتبادل الاتهامات بين حزبين اثنين أو بين أكثر من اتجاه واحد، ولكن أن تصل الأمور إلى تقاذف الاتهامات والتهديدات بين أحزاب تملك نفس الاتجاه والأيديولوجيا ونفس الهدف وعانت نفس المعاناة من الاضطهاد والقمع فهذا لا يمكن تقبله.

 إنّ مخاض التحولات الديمقراطية لا يمكنه أن ينتهي بسرعة من دون أثمان تدفع من المجتمع على مدى زمني قد يكون طويلاً بعض الشيء، ومن أجل اختزال الزمن، ينبغي تسمية الأشياء والمعاني بأسمائها، وأن يستمع كلّ المسؤولين لما يقوله الرأي العام، وإنتاج تشكيلات نوعية جديدة لجيل جديد سيكون محور العملية الديمقراطية وترسيخ تقاليد وأصولاً سيتبعها مَن يأتي بعده.

1- المحاصصة الطائفية والقومية، إنّ حكومة الشراكة الوطنية التي هيمنت على مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية وقسمت المنافع والغنائم بين أقطابها على وفق نظام المحاصصة المقيت كان لابدّ أن يحصل الذي حصل كونها شيدت على أُسس خاطئة استبعدت منها الهوية الوطنية والاحتكام إلى علاقات غابت عنها الثقة المتبادلة وسيطرت عليها الشكوك والمخاوف والريبة بين أطرافها واتهام بعضهم الآخر بالسطوة والاستحواذ على صنع القرار وفي ترجمته.

2- إنّ القوى السياسية المؤتلفة تفتقد الرؤية الموحدة تجاه القضايا الأساسية وتتناقض في آمالها وطموحاتها ومساعيها في الاستحواذ والهيمنة، مما خلق خللاً في التوازن الذي يطالب به بعض أطراف العملية السياسية، وهي حالة يصعب الوصول إليها في ظل صراع المصالح والإرادات وتباين الأهداف والمواقف إزاء معظم القضايا المطروحة على الساحة السياسية، ومما يزيد الأمر تعقيداً هو شدة المشاحنات والمواجهات والمناكفات بين أركانها، ما يدفع بعض أطرافها بالهجوم واتهام الآخرين بمحاولة الاستحواذ والسيطرة على السلطة التنفيذية والاستفراد بقراراتها.

3- حالة الشلل والضعف والوهن التي تعيشها الشراكة الوطنية، جعلها عاجزة عن التعاطي مع احتياجات المواطنين من منطلق القوّة والوحدة وعبور الأزمات التي تعترض مسيرتها ويفترض أن تكون طبيعية واعتيادية ما يدلل على أنّ الأزمة التي تعيشها العملية السياسية، أزمة بنيوية رافقتها منذ بواكير تشكيلها حيث اعتمدت في بنائها قواعد وركائز لم تهيئ الأرضية الصلبة والسوية لإقامتها بما يجعلها قادرة على تحمل الصدمات والاهتزازات التي تتعرض لها العملية السياسية من حين لآخر.

4- توسّع الصراعات واتخاذ اشكال عنيفة بين أطراف العملية السياسية تؤكد حقيقة عجز أطرافها في إيجاد حلول للمعضلات التي تصادفها في ترجمة مهامها بالتصدي لما استنهضت قواها لها بمعالجة التدهور الأمني وتقديم الخدمات الضرورية ومواجهة مظاهر الفساد المالي والإداري واقتلاع جذوره وتوفير فرص العمل للعاطلين وبخاصة الخريجين ومعالجة الثغرات الكبيرة في واقع المدن العراقية وما تعانيه من تخلف وتدهور في معظم مرافقها الحيوية.

القضايا الخلافية التي تحتدم بين أطراف العملية السياسية من حين لآخر قادت وتقود إلى تفاقم التوترات والتشنجات بين أنصارها، ما يؤدي إلى سيادة أجواء الارتياب والرؤية الضبابية وعجز الشراكة الوطنية عن الارتقاء إلى مستوى إرساء أُسس راسخة من التوافق والشراكة ووحدة الرؤية والموقف تجاه القضايا الأساسية التي هي بحاجة إلى معالجات جادة للانتقال بالعملية السياسية إلى مرتبة متقدمة.

إنّ احتدام الأزمة بين أقطاب العملية السياسية والعجز في احتواء تداعياتها، خاصّة بعد أن وصلت الخلافات والتناقضات بين القوى والأحزاب السياسية القائدة للعملية السياسية إلى مستويات من العسير السكوت والإبقاء عليها دون معالجات جذرية لها، وبخاصّة بعد أن انتقلت إلى الشارع لتزرع فيه عوامل الفرقة والتنافر من جديد بين مكونات الشعب وأطيافه وتعطل الحياة وتجمدها وتصيبها بالارتباك والحيرة وفقدان الاستقرار السياسي والاجتماعي وتوقف عجلة التقدم والتطور.

التوصيات

1- على القوى السياسية المتصارعة والعاجزة عن تجاوز خلافاتها الالتجاء إلى المفاهيم والقيم الديمقراطية لإيجاد حلول لها دون اللجوء إلى التهديد والوعيد والكلمات والتعابير الجارحة، لأنّ استمرار الخلافات وبقاءها وتعاظمها سيفتح الأبواب على كلّ الاحتمالات وقد يصبح من المتعذر إدارة الأزمة وتوفير الحلول الملائمة دون دفع فواتير باهظة لها، والتي قد تؤول إلى تردي الأوضاع الأمنية والاستقرار وعودة دوامة العنف والاقتتال من جديد وتعود سكين الصراعات تقطع النسيج الاجتماعي وبعثرة أجزائه، لتبحث عن حاضنات إقليمية أو دولية تحميها، توطئة لتمزيق وحدة الوطن وتقسيمه إلى دويلات متصارعة متعارضة المصالح والأهداف.

2- ينبغي أخذ مصالح الشعب وأمنه أثناء التفتيش والبحث عن معالجات جادة لمشاكل المواطن الأساسية، وانتشاله من دوامة مشكلاته ومصاعبه المتوارثة من النظام السابق.

3- اعتماد الأسلوب الديمقراطي في الحكم والابتعاد عن طريق التوافق والمحاصصة الطائفية والأثنية لقيادة العملية السياسية، لأنّ أسلوب المحاصصة أفرغ الديمقراطية من مضامينها ومعاييرها، وتأكد فشله في احتواء الأزمات والاحتدامات بين أطراف الحكم.

4- غير المقبول التمسك بصيغة حكم أعطى الواقع حكمه في فشلها وعجزها التعامل مع إفرازات ومعطيات الواقع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، لأنّ هذا يعني المزيد من هدر الزمن في الاستجابة لاحتياجات الواقع والتعالي به حيث يستطيع تلبية مطالب الشعب في تجديد حياته وتحديثها والتحرر من شرنقة التخلف والتأخر.

5- على القوى السياسية الحاكمة ملزمة أن تتفادى استمرار الصراع دون الالتفات إلى معاناة المواطنين والاستهانة بمشاعرهم وآلامهم وخذلان من رفعهم إلى سدة المسؤولية وولاهم إدارة شؤونه العامة لأنّ مَن شأن هذا رفع غطاء الشرعية عنهم التي منحها الشعب في الانتخابات العامّة على أسس وقواعد الالتزام بالشعارات والبرامج التي أعلنوها وفازوا على أساسها.

6- إنّ الديمقراطية الحقيقية بحاجة إلى عملية سياسية واعية وذكية وإنّ أي عملية كهذه لا يمكنها أن تتطور إلّا في ظل أوضاع أمنية غاية في الاستقرار والاعتماد على كلّ الأطياف الوطنية في حوارات لا تؤجج المشاعر وتصريحات لا تشعل القلوب ولا تجرح الأحاسيس، ولا يمكن أن تجرّب حظوظك في الديمقراطية إلّا من خلال مؤسسات سياسية مدنية معلمنة لا من خلال أولياء أمور وأوصياء وزعماء ما إن يصلوا السلطة حتى يعدّون أنفسهم جبابرة ويتوهمون أنّ الإرادة الإلهية قد اختارتهم للمناصب.

والخلافات والتجاذبات بين الأطراف الفاعلة والنافذة في العملية السياسية يعني استمرارية تردي الأوضاع وتعطيل تنفيذ البرامج والمشاريع التي تخدم الشعب وتعلو بواقعه المرير والمأساوي ويدفع بالقوانين والتشريعات المعروضة أمام مجلس النواب والتي تعتبر ذات أهمية وحيوية في حياة الشعب ومستقبله والمؤجلة من الدورة البرلمانية السابقة إلى رفوف النسيان.

إنّ ما يجري داخل الائتلاف الوطني الشيعي هو جزء من "التشظي" الذي يعصف بالتحالفات السياسية في العراق، وأنّ التحالف الكردي والتحالف السني يعانيان أيضاً من خلافات داخلية.

فبعد تأسيس دولة المواطنة والديمقراطية، ومعاملة الجميع بالتساوي، ومعاملة الجميع كمواطنين من الدرجة الأولى بلا تمييز، تحصل صراعات عنيفة في أوّل الأمر، وذلك بسبب تركة الماضي الثقيلة، وخاصّة أزمة الثقة بين مكونات الشعب، وضعف الدولة الجديدة، وضعف حكم القانون، ونقص التجربة من قبل القادة السياسيين الجدد، فكلّ مكونة تستغل الفرصة، وتريد تحقيق أكبر قدر ممكن من المكتسبات لنفسها على حساب المكونات الأخرى.

 إنّ هذه الخلافات الداخلية في التحالف الوطني قد تفتح الباب أمام نوع جديد من التحالفات التي قد تتخطى الإطار الطائفي، عبر نوع من التحالف الوطني عابر للطائفية تحت شعار تحقيق المصلحة الوطنية للبلاد، وتخف هذه الصراعات، وتهدأ النفوس، وتعود الثقة فيما بينها ويحصل الاستقرار. فهذه الأزمة مهما طالت، لابدّ وأن تزول، إذ كلّ الشعوب المتحضرة مرت بها في بدايات تجاربها مع الديمقراطية، ولكن في نهاية المطاف نجحت الديمقراطية واعتادت عليها، وصارت جزءً من تقاليدها.

 

·      الكاتب باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 149
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 استفتاء إقليم كردستان: مغامرة لضمان المصالح
 استهداف الفساد ركيزة للحكومة والإصلاح الاقتصادي
 التنمية الاجتماعية في العراق
 العلمانية في الطريق إلى بغداد
 تنافس سياسي واحتدام انتخابي في المشهد السياسي العراقي
 الزيادة السكانية في العراق وعلاقتها بالتنمية
 الاستجواب البرلماني في العراق بين البعد القانوني والهدف السياسي
 أثر البطالة وسببها الرئيس في العراق
 مَن رحب بصهر ترامب حاكماً مدنياً في العراق؟!
 صراع الإرادات قبل الانتخابات في العراق

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا