الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
القيمة التربوية لمحاسبة النفس

2017/05/19 | الکاتب : عمار كاظم


في الحديث عن النبيّ (ص): "أليس الكيّسين"، والكيّس هو العاقل، أي أعقل العقلاء "وعمل لما بعد الموت"، باعتبار أنّ ما بعد الموت هو الذي يمثل المصير الدائم الخالد: إما إلى جنة وإما إلى نارٍ، "وأحمق الحمقى"، والأحمق هو الذي لا يتحرك على أساس التوازن العقلي، "مَن أتبع نفسه هواه وتمنى على الله الأماني"، يتمنّى بأن يدخله الله الجنة، من دون أن يؤكد ذلك بالعمل الصالح. وفي حديث الرسول (ص) أيضاً: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا"، ومعناه أنّه لابدّ للإنسان من أن يجلس مع نفسه، كما لو أنّ نفسه هي إنسان آخر يحاسبه في ما عمل كلّ يوم، في حياته الخاصة والعامة، "وزنوها قبل أن توزنوا"، في حساب يوم القيامة. والميزان هو ميزان الأعمال، وهو الذي يؤدّي بالإنسان إلى مصيره سلباً أو إيجاباً عند العرض الأكبر على الله سبحانه وتعالى. ويقول الإمام عليّ (ع): "حاسبوا أنفسكم بأعمالها، وطالبوها بأداء المفروض عليها" مما أوجبه الله "والأخذ من فنائها لبقائها" يعني الأخذ من الدنيا الفانية إلى الآخرة الباقية "وتزودوا وتأهّبوا قبل أن تبعثوا" حتى يبعث الإنسان وقد حزم أمره، وركّز أوضاعه، ليقرأ كتابه بشكل واثق، والله تعالى يقول: (اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) (الإسراء/ 14). وفي الحديث عن الإمام عليّ (ع) أيضاً: "حاسب نفسك لنفسك، فإنّ غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك". يقول الإمام (ع)، إنّ كثيراً من الناس يشغلون أنفسهم بحساب غيرهم على ما قاموا به وما عملوه، ولكنك لست مسؤولاً عن حسابات غيرك فيما عمله؛ لأنّ غيرك سوف يقف غداً للحساب، ويتحمل مسؤولية كلّ أعماله، وأما أنت، فإنّك تواجه حساب نفسك لنفسك. وفي الحديث عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (ع): "يابن آدم، إنّك لا تزال بخيرٍ ما كان لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همِّك". لابدّ لك من أن تعظ نفسك في كلّ ما تواجهه من أوضاع الحياة، وفي ما تتحمّله من مسؤوليات؛ ليكون حساب نفسك الهم الأكبر في كلّ ذلك. ويقول الإمام موسى الكاظم (ع): "ليس منا مَن لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل خيراً استزاد الله منه وحمد الله عليه، وإن عمل شراً استغفر الله وتاب إليه". وهكذا نجد القيمة التربوية لمسألة دراسة النتائج السلبية أو الإيجابية لكلّ ما يقبل عليه الإنسان، وما قام به من مسؤوليات، أكملها أو قصّر فيها، حتى يكتشف من خلال ذلك نقاط الضعف ونقاط القوة عنده؛ لأنّ الأمراض النفسية والعقلية والروحية والعملية كالأمراض الجسدية، فإن استطاع الإنسان أن يكتشف المرض في بدايته، فإنّه يصبح لديه القدرة على معالجته بشكل أسهل ممّا لو اكتشفه بعد أن يتعمّق في النفس أو في الجسد، لأنّه من الصعب أن يعالجه بالطريقة التي يمكن أن يحصِّل من خلالها العافية أو الشفاء من هذا المرض. ولذلك أولى الإسلام عملية المحاسبة والدراسة النفسية اهتماماً بالغاً، لكي يستطيع الإنسان معها أن يكتشف نقاط الضعف ليحوّلها إلى نقاط قوة، وأن يكتشف نقاط القوة ليستزيد منها ما أمكنه ذلك، لأنّ هذه المسألة التربوية يتوقف عليها مصير الإنسان في نهاية المطاف. وإنّ على الإنسان أن يتّقي الله في ما قام به، ليستغفر الله على ذنوبه، وليشكره على طاعته وعلى حسناته، ثمّ بعد أن يُحكِم أمره، وبعد أن يجمع رصيده ويتعرّف السلبيات والإيجابيات، يتّقي الله من جديد في ما يستقبل من حياته، ليطيع الله في ما أمره به، وفي ما نهاه عنه. (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (النور/ 53)، وهذه هي الحقيقة الإيمانية الكبرى، وهي أن يعتقد الإنسان أنّ الله خبير بكلّ ما يعمله، وأنّه (لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) (سبأ/ 3)، وأنّه (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر/ 19)، وأنّه (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ) (المجادلة/ 7)، فإذا اختزن الإنسان في نفسه أنّ الله مطّلعٌ عليه في كلّ أموره حتى وهو يفكر، وأنّه يلاحق خطوات تفكيره، انطلاقاً من الأسس التي تقود العقل إلى اكتشاف الحقّ، وإلى اكتشاف الحسن من القبيح، أو الأسس التي تقود العقل إلى الباطل، فيما يركزه من معادلات وفيما يستنتجهُ؛ لأنّ الإنسان عندما يفكر، فإنّه يشعر – عادةً – بالأمن، فقد يفكر ويخطط لعمل الشر، كما هو شأن البعض الذين يسخّرون ما أعطاهم الله من عقل في التآمر على الناس وخيانتهم، وسرقتهم، وظلمهم، وضدّ قضايا الخير لمصلحة الشر... كلّ ذلك لأنّه يشعر أن لا أحد يطلع عليه في ذلك؛ فإذا شعر الإنسان بأنّ الله يلاحق تفكيره، فإنّ ذلك يجعله يحرك عقلهُ في الخير لا في الشر، وفي الحقّ لا في الباطل، وفي العدل لا في الظلم. كذلك، فإنّ على الإنسان أن يدرك أنّ الله يعرف نبضات قلبه، والقلب هو مركز العاطفة، وربما تتحرك العاطفة في غير ما يريد الله سبحانه وتعالى ويرضيه، وقد تتحرك فيما يرضي الله وفيما يحبه.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 42
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 حاجتنا إلى التسامح
 وصية الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)
 عاقبة الصبر
 حصانة الشباب بتقوى الله
 سموّ الإمام الصادق (ع) بعلمه ومعرفته
 مسـؤولياتنا اليوم كشبّان
 منهج الإمام الصادق (ع) التربوي
 الإمام جعفر الصادق (ع).. إمام العلماء وأستاذ الفقهاء
 الإجازة الصيفية.. متعة، فائدة وإنجاز
 مفهوم التسامح ودرجاته

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا