الصفحة الرئيسية » إخترنا لكم
الآداب المعنوية للدعاء

2017/05/26 | الکاتب : عمار كاظم


للدعاء آداب معنويةٌ لطيفة لابدّ للداعي أن يُحسن الالتزام بها وتقديمها التماساً لاستجابة الباريّ تعالى لدعائه، ومن هذه الآداب:

الأوّل – حُسن الظنّ بالله تعالى: إنّ حُسن الظنّ بالله متفرِّعٌ عن معرفته سبحانه.. فعلى الداعي أن يُحسن الظنّ باستجابة دعائه ويتذكّر دوماً قوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وقوله: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ) (النمل/ 62). ويتيقّن بأنّ الله تعالى لا يُخلف الميعاد وسيستجيب دعوته، قال رسول الله (ص): "ادعُوا الله وأنتُم مُوقِنونَ بالإجابة"، وقال الإمام الصادق (ع): "إذا دَعَوتَ فأَقبِل بِقَلبِكَ وظُنَّ حاجَتَكَ بِالبَاب".

الثاني – الوفاء بعهد الله: على الدَّاعي أن يفي بعهد الله ويُطيع أوامره، وهما من أهمّ الشروط في استجابة الدُّعاء. عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال له رجل: جعلت فداك، إنّ الله يقول: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، وإنّا ندعو فلا يُستجاب لنا، قال: "لأنَكُم لا تَفُونَ الله بِعَهدِهِ وإنّ الله يقول: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ)، واللهِ لو وَفَيتُم للهِ لَوَفَى اللهُ لَكُم".

الثالث – الإقرار بالذنوب: على الدَّاعي أن يعترف بذنوبه مقرّاً، مذعناً، تائباً عمّا اقترفه من خطايا، وما ارتكبه من ذنوب، من دعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) المروي عن كميل بن زياد: "وقَد أتَيتُكَ يا إلهي بَعدَ تَقصِيري وإسرَافي على نَفسِي مُعتَذِراً نادِماً مُنكَسِراً مُستَقِيلاً مُستَغفِراً مُنِيباً مُقِرّاً مُذعِناً مُعتَرِفاً لا أَجِدُ مَفَرّاً ممّا كانَ مِنِّي وَلا مَفزَعاً أتَوَجَّهُ إليهِ في أَمرِي غَيرَ قَبُولِكَ عُذرِي وإدخالِكَ إِيّايَ في سَعَةٍ مِن رَحمَتِكَ، إلهِي فَاقبَلْ عُذرِي وارْحَم شِدّةَ ضُرِّي وفُكَّنِي مِن شَدِّ وَثَاقي"، فالإمام (ع) قدَّم الإقرار بالذنب على الطلب والمسألة.

الرابع – الإقبال على الله تعالى: من أهمّ آداب الدُّعاء هو أن يُقبل الدَّاعي على الله سبحانه بقلبه، وعواطفه، ووجوده، وأن لا يدعو بلسانه وقلبه مشغول بشؤون الدنيا، فهناك اختلافٌ كبيرٌ بين مجرّد قراءة الدُّعاء، وبين الدُّعاء الحقيقي الذي ينسجم فيه اللسان انسجاماً تاماً مع القلب، فَتَهتزُّ له الروح، لكي تحصل فيه الحاجة. قال الإمام الصادق (ع): "إنّ الله عَزَّوجَلَّ لا يَستَجِيبُ دُعاءً بِظَهرِ قَلبٍ سَاهٍ فَإذا دَعَوتَ فَأَقبِلْ بِقَلبِكَ ثُمّ استَيقِنْ بِالإجابَة".

الخامس – ترقيق القلب والخشوع: يُستحبُّ الدُّعاء عند استشعار رقّة القلب وحالة الخشية التي تنتابه بذكر الموت والبرزخ ومنازل الآخرة وأهوال يوم المحشر؛ وذلك لأنّ رقّة القلب سببٌ في الإخلاص المؤدّي إلى القرب من رحمة الله وفضله. رُوِي عن رسول الله (ص) أنّه قال: "اغتَنِمُوا الدُّعاءَ عِندَ الرِّقَّةِ فَإنّها رَحمَة". فكلّما رقّ قلب الدَّاعي كلّما كان مهيّئاً لاستقبال ذخائر الرحمة الإلهية، وتحقق قصده في الاستجابة، وعن الإمام الصادق (ع): "إذا اقشَعَرَّ جِلدُكَ ودَمَعَتْ عَيناكَ ووَجِلَ قَلبُكَ فَدُونَكَ دُونَكَ فَقَد قُصِدَ قَصدُك". قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) (الأعراف/ 55). وفيما أوحى الله إلى موسى (ع): "يا مُوسى، كُن إذا دَعَوتَني خائِفاً مُشفِقاً وَجِلاً عَفِّرْ وَجهَكَ لِي في التُّرابِ واسْجُد لِي بِمَكارِمِ بَدَنِكَ واقْنُتْ بَينَ يَدَيَّ في القِيامِ وناجِنِي حِينَ تُناجِينِي بِخَشيَةٍ مِن قَلبٍ وَجِل".

السادس – عدم القنوط: على الدَّاعي أن لا يقنط من رحمة الله، ولا يستبطئ الإجابة فيترك الدُّعاء؛ لأنّ ذلك من الآفات التي تمنع ترتُّب أثر الدُّعاء، وهو بذلك أشبه بالزارع الذي بذر بذراً فأخذ يتعاهده ويرعاه، فلمّا استبطأ كماله وإدراكه أهمله. فعن أبي بصير، عن الإمام الصادق (ع) أنّه قال: "لا يَزالُ المُؤمِنُ بِخَيرٍ ورَجَاءٍ رَحمَةً مِنَ اللهِ عَزَّوجَلَّ ما لَم يُستَعجِلْ فَيَقنَطَ ويَترُكَ الدُّعاءَ، قُلتُ لَهُ: كَيفَ يَستَعجِلُ؟ قال: يَقُولُ قَد دَعَوتُ مُنذُ كَذا وكَذا وَما أرَى الإجابَة".

السابع – الإلحاح بالدُّعاء: في حال تأخُّر الإجابة، يجب معاودة الدُّعاء والإلحاح في المسألة، فلعلّ تأخير الإجابة لمنزلة الداعي عند الله سبحانه، فهو يُحبّ سماع صوته والإكثار من دعائه، فعليه أن لا يترك ما يُحبّه الله سبحانه، فقد روي عن الإمام الباقر (ع) أنّه قال: "إنّ المُؤمِنَ يَسأَلُ الله عَزَّوجَلَّ حاجَةً فيُؤخِّرُ عَنهُ تَعجِيلَ إِجابَتِهِ حُبّاً لِصَوتِهِ واستِماعِ نَحِيبهِ". وعليه، فيجب الإلحاح بالدُّعاء في جميع الأحوال، ولما في ذلك من الرحمة، والمغفرة، واستجابة الدعوات، وعن رسول الله (ص): "رَحِمَ اللهُ عَبداً طَلَبَ مِنَ اللهِ عَزَّوجَلَّ حاجَةً فأَلَحَّ في الدُّعاءِ استُجِيبَ لَهُ أو لَم يُسْتَجَبْ لَه".

الثامن – الدُّعاء في الرخاء: من آداب الدُّعاء أن يدعو العبد في الرخاء على نحو دعائه في الشدّة، لما في ذلك من الثقة بالله، والانقطاع إليه، ولفضله في دفع البلاء، واستجابة الدعاء عند الشدّة، وقد روي الإمام الصادق (ع): "مَن سَرَّهُ أن يُستَجَابَ لَهُ فِي الشدَّةِ فَليُكثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ".

التاسع – أن يكون عالي الهمّة فيما يطلب: أن يدعو الله سبحانه وتعالى بمعالي الأمور التي لا يُمكن تحصيلها إلّا ببذل الهمم. فقد ورد عن الإمام الكاظم (ع) أنّه قال: "بَكي أبُوذَرٍّ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ خَشيَةِ اللهِ عَزَّوجَلَّ حَتّى اشتَكى بَصَرَهُ، فَقِيلَ لَهُ: يا أباذَرٍّ، لَو دَعَوتَ اللهَ أن يَشفِيَ بَصَرَكَ. فقالَ: إنِّي عَنهُ لَمَشغُولٌ وما هوَ مِن أكبَرِ هَمِّي. قالوا: وَما يَشغَلُكَ عَنهُ؟ قالَ: العَظِيمَتانِ: الجَنَّةُ وَالنَّارُ". ومن القصص الجميلة، ما روي عن ربيعة بن كعب أنّه قال: "قال لي ذات يوم رسول الله (ص): يا ربيعة، خدمتني سبع سنين أفلا تسألني حاجة؟ فقلت: يا رسول الله، أمهلني حتى أُفكِّر. فلمّا أصبحت ودخلت عليه، قال لي: يا ربيعة، هاتِ حاجتك. فقلتُ: تسأل الله أن يدخلني معك الجنّة. فقال لي: مَن علَّمك هذا؟ فقلتُ: يا رسول الله، ما علَّمني أحد، لكني فكّرت في نفسي، وقلت: إن سألته مالاً كان إلى نفاد، وإن سألته عمراً طويلاً وأولاداً كان عاقبتهم الموت. قال ربيعة: فنكّس رأسه ساعةً، ثمّ قال: أفعل ذلك، فأعنّي بكثرة السجود".

العاشر – الاضطرار إلى الله تعالى: روي أنّ الله تعالى أوحى إلى عيسى (ع): "ادْعُنِي دُعاءَ الحَزينِ الغَرِيقِ الذي لَيسَ لَهُ مُغِيثٌ، يا عِيسَى سَلنِي وَلا تَسأَلْ غَيري فَيَحسُنَ مِنكَ الدُّعاءُ ومِنِّي الإجابَةُ". ويقول الله تعالى: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ) (النمل/ 62). والاضطرار أن يقطع الإنسان أمله من كل سببٍ سوى الله سبحانه، وأن يجعل قلبه وروحه بين يدي رحمة الله، وأن يرى كلّ شيء منه وله، فيربط الأسباب بمُسبِّبها الأوّل والحقيقي الذي لا يخرج شيء في هذا الوجود من تحت دائرة سلطانه، عن النبي (ص) قال: قال الله عزّوجلّ: "ما مِن مَخلوقٍ يَعتَصِمُ بِي دُونَ خَلقي إلّا ضَمَّنتُ السَّماواتِ والأَرضَ رِزقَهُ، فإنْ دَعانِي أجَبْتُهُ، وإنْ سَألَني أعطَيتُهُ، وإِنِ استَغفَرَنِي غَفَرتُ لَهُ".

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 281
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 أقوال في الإمام الحسين (علية السلام) من علماء ومفكرين إسلاميين ومسيحيين وغيرهم
 الإمام الحسين (عليه السلام).. مدرسة في توحيد الشعوب
 الوصيّة الأخيرة للإمام الحسين (عليه السلام)
 السيِّدة زينب (عليها السلام).. الصبر والقوّة في الموقف
 معطيات الثورة الحسينية
 مسؤولية الإصلاح الاجتماعي
 الإمام الحسين (عليه السلام).. قائد المسيرة الإنسانية
 الإمام الحسين (عليه السلام).. ترجمة حيّة لرسالة الإسلام
 أروع ما قيل بحقّ الإمام الحسين (عليه السلام)
 عاشوراء.. فرصة للتفكير

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا