الصفحة الرئيسية » الدين والحياة
خُلق الإحسان.. لب الإيمان وروحه

2017/06/10 | الکاتب : د. عمرو خالد


يقول الله تبارك وتعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) (النساء/ 19). يقول العلماء في تفسيرهم هذه الآية، إنّه ليس معناها أن تعاملوهنّ بالمعروف عندما يحسنَّ إليكم، ولكن معناها أن تحسن أنت إليها عندما تسيء إليك.

يعني استوعبها، ولكن إحسانك إليها في تحمل إساءتها (وليس معنى ذلك أنّنا ندعو الزوجات إلى الإساءة لا سمح الله).

خُلقُ الإحسان خُلقٌ يمكن أن يشمل الدين كلّه. يقول عنه ابن القيم: "هو لب الإيمان، وروح الإيمان، وكمال الإيمان، هذا الخلق خلق الإحسان". ولو جمعنا فضائل الأعمال كلّها، من صلاة وصيام وذِكر وقرآن، لدخلت تحت الإحسان.

يقول الله تبارك وتعالى: (الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (الزمر/ 18). هل بلغ الإحسان حاسة السمع؟ إذن، ماذا ستختار لأذنك عندها؟ نعم، يبلغ الإحسان ذلك أيضاً. تُسع أذنيك كلاماً هابطاً، كلاماً بذيئاً، كلاماً ليست له قيمة.

من نماذج الإحسان أيضاً: أن تحسن وتتقن الدراسة. تقول: "لا، أنا شاطر، وأعلم كيف أنجح دون تعب شديد في المذاكرة، ودائماً أنجح بسهولة". نعم. أنت أمام الناس ناجح، لكن أمام الله أنت غير محسن، وأنت في هذا الخُلق تتعامل مع الله وليس مع الناس.

من نماذج الإحسان يا قارئات من الزوجات، الإحسان في ترتيب وتنظيف البيت، في طهو الطعام، في تربية الأولاد. تخيلي أنّك كلما أتقنت عملك في البيت أكثر، كنت عند الله محسنة بدرجة أكبر. إن كنا نريد أن نبني مصانع وسدوداً وننجز مشروعات، فإنّ نقطة البداية ستكون من هنا: بالإحسان.

·          والإحسان يجب أن يكون من أخلاقنا حتى مع الحيوان

لتتعلم جماعات الرفق بالحيوان من النبيّ (ص). جاء في الحديث، أنّه بينما رجل قد أضجع شاته (أي أنامها لكي يذبحها)، ثم أخذ شفرته يحدها، فقال له النبيّ (ص): "أتريد أن تميتها مرتين؟". فقال: "وكيف ذلك؟". قال: "هل أحديت شفرتك ثم أضجعتها؟".

أليس عظيماً هذا الدين الذي طبق في كلّ أمور حياتنا وعلّمنا الإحسان في كلّ شيء؟

·          ابحث أيضاً عن الإحسان في مهنتك

انظر إلى سيدنا يوسف، كيف كان محسناً في إدارة شؤون الدولة ويضع سياسة للتخزين، ويضع سياسة للاستهلاك.

قال تعالى: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ) (يوسف/ 47-48).

ما هذا؟ أنبي أنت يا سيدنا يوسف أم أنّك وزير اقتصاد؟

إنّه الإحسان. أرأيت الإحسان وعلاقته بالتخطيط والإدارة؟

هل تفخر وتعتز بدينك أم لا؟ أتستشعر كم هو عظيم ويتسم بالشمولية؟

·          الإحسان يكون أيضاً حتى في الحرب

يقول النبيّ (ص) للجيش في غزوة مؤتة عند خروجهم "انطلقوا باسم الله، على ملة رسول الله، لا تقتلوا شيخاً فينا، لا امرأة، لا تقتلوا صغيراً، لا تقتلوا رضيعاً، لا تهدموا بناء، لا تحرقوا شجراً، لا تقطعوا نخلاً، وأحسنوا إنّ الله يحبّ المحسنين".

إنّه جيش محسن. هل سمعت في حياتك هذا التعبير؟ الإحسان وأنت تقتل الكافر: يقول الله عزّوجلّ: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) (محمّد/ 4). حدد الله مكان الضرب عند القتل (عند الرقبة) والضرب، أي مباشرة دون تعذيب. وقد حدد الله من قبلُ مكان الضربة القاتلة للملائكة في غزوة بدر في قوله تعالى: (فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ) (الأنفال/ 12)، لأنّها أسهل نقطة للقتل مباشرة دون تعذيب، حتى مع الكفار.

نعم، أترون عظمة هذا الدين الذي يحسن حتى للكافر وهو يموت؟

-  بقيت نقطتان في الإحسان:

·       الأولى: أنّك قد تعترض وتقول: لماذا تطالبني أنا بالإحسان؟ كيف سأكون الوحيد الذي لا يرمي ورقة في الشارع؟ الجميع يفعلون ذلك، وليس هناك مَن يُحسن في هذا الأمر.

يقول النبيّ (ص): "لا تكونوا إمعة، تقولون: إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطّنوا أنفسكم، فإن أحسن الناس أحسنوا، وإن أساءوا لا تظلموا"، وطّنوا أنفسكم: أي اضبطوا أنفسكم وأخلاقكم. هذا هو المسلم المتفرّد الذي يضبط نفسه وخُلقه، ولا يقول: أنا جزء من هذه البيئة فأفعل ما يفعلون وأترك ما يتركون. إذن، ماذا أضاف إليك الإيمان؟

·       النقطة الثانية: إني خائف على بعض الناس، الذين سينوون الإحسان بعد سماعهم هذا الدرس من أن يصابوا ببعض الوسوسة. مثال: "سلمت على والدتك وقلت لها كيف حالك؟ ثم خرجت وعدت ثانية لتقول لها كيف حالك؟ هل تكون محسناً أكثر؟". لا. المبالغة لا تزيدك إحساناً. ليست هناك في الإسلام مبالغة، ووسوسة ومثالية، والإسلام يطلب منك أن تكون وسطياً.

مثال:

·          الشجاعة وسط بين التهور والجبن.

·          الكرم وسط بين البخل والإسراف.

·          الإحسان وسط بين "الفهلوة" والوسوسة والمبالغة.

"سددوا وقاربوا.." حاول أن ترتقي اليوم، أن تحسن في حديثك، في السماع.

هل نوينا التغيير؟ هل نوينا ألا نفضح الإسلام والمسلمين بسوء أخلاقنا؟ ألم تحضر هذا الدرس؟ ألم ترتدي الحجاب؟ ابدئي إذن. فليس ارتداؤك الحجاب، هو النهاية، بل البداية في المطلوب منك. أنت أصبحت منبراً متحركاً للإسلام، دالة عليه. أحسني إذن، فما أعظم هذا الخُلق. اتقنوا كلّ شيء.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 195
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 خُلق الإحسان.. لب الإيمان وروحه
 الإحسان.. قاعدة أساسية في بناء المجتمع
 الإحسان.. مفهوم أوسع للكلمة
 الإحسان والعفو عند المقدرة
 الإحسان في القرآن الكريم
 الإحسان إلى الجار
 لا تنتظر المقابل.. سيأتي حتماً

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا