الصفحة الرئيسية » المجتمع المسلم
الأخوة وواجباتها

2017/06/13 | الکاتب :


أقام الإسلام العلاقة بين أبناء مجتمعه على دعامتين أساسيتين. أولاهما: رعاية الأخوة التي هي الرباط الوثيق بين بعضهم. والثانية: صيانة الحقوق والحرمات التي حماها الإسلام لكلّ فرد منهم من دم وعرض ومال. وكلّ قول أو عمل أو سلوك فيه عدوان على هاتين الدعامتين أو خدش لهما، يحرّمه الإسلام تحريماً يختلف في الدرجة حسب ما ينجم عنه من ضرر مادي أو أدبي. وفي الآية التالية نموذج من هذه المحرمات التي تضرّ بالأخوّة وتضرّ بحرمات النّاس. قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (الحجرات/ 10-11).

إنّ الله سبحانه وتعالى يعلّمنا في هذه الآيات أنّ المؤمنين إخوة تجمعهم أخوة الدين وأخوة البشرية. ومقتضى الأخوة أن يتعارفوا ولا يتناكروا ويتواصلوا ولا يتقاطعوا ويتصافوا ولا يتشاحنوا ويتحابوا ولا يتباغضوا ويتحدوا ولا يختلفوا. وفي الحديث قال (ص): "لا تحاسدوا، ولا تدابروا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً". ومن هنا حرّم الإسلام على المسلم أن يجفو أخاه المسلم، أو يقاطعه، أو يعرض عنه. ولم يرخّص للمتشاحنين إلا في ثلاثة أيّام حتى تهدأ ثائرتهما. ثمّ عليهما أن يسعيا للصلح والصفاء والاستعلاء عن نوازع الكبر والغضب والخصومة. فمن الصفات الممدوحة في القرآن. (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (المائدة/54). قال (ص): "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. (أي ثلاثة أيّام) فإن مرت به ثلاث فليلقه فليسلّم عليه، فإن ردّ عليه السلام فقد إشتركا في الأجر وإن لم يرد عليه فقد باء بالإثم، وخرج المسلم من الهجرة". وتتأكّد حرمة القطيعة إذا كانت لذي رحم أوجب الإسلام صلته، وأكّد وجوبها ورعاية حرمتها قال تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء/ 1).

وقد صوّر الرسول (ص) هذه الصلة ومبلغ قيمتها عند الله فقال: الرحم معلقة بالعرش تقول: "من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله". وليست صلة الرحم الواجبة أن يكافئ القريب قريبة صلة بصلة وإحساناً بإحسان فهذا أمر طبيعي مفروض إنما الواجب أن يصل ذوي رحمه وإن هجروه قال (ص): "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها". هذا ما لم يكن ذلك الهجران وتلك المقاطعة لله وفي الله وغضباً للحقّ فإنّ المقاطعة لله وفي الله وغضباً للحقّ مطلوبة، لأنّ أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله. ومن كان صاحب حقّ فيكفي أن يجيئه أخوه معتذراً، وعليه أن يقبل اعتذاره وينهي الخصومة ولا يجوز له أن يرده ويرفض اعتذاره. وإذا كان على المتخاصمين أن يصفيا ما بينهما وفقاً لمقتضى الأخوة فإنّ على المجتمع واجباً آخر. إنّ المجتمع الإسلامي مجتمع متكافل متعاون متضامن، فلا يجوز له أن يرى بعض أبنائه يتخاصمون أو يتقاتلون ثمّ يقف منهم موقف المتفرج تاركاً النار تزداد إندلاعاً والخرق يزداد إتساعاً. إنّ على ذوي الرأي والمقدرة أن يتدخّلوا لإصلاح ذات البين متجردين للحقّ مبتعدين عن الهوى كما قال تعالى: (فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (الحجرات/ 10). وقد حرّم الله سبحانه وتعالى في الآيات التي ذكرتها جملة تصرفات ليصون الأخوة وما توجبه من حرمة للناس. وأوّل هذه التصرفات، السخرية بالنّاس، فلا يحل لمؤمن يرجو الدار الآخرة أن يسخر من أحد من الناس أو يجعل من بعض الأشخاص موضع هزئه وسخريته وتندّره ونكاته. ففي هذا كبر خفي وغرور مقنع. فقيمة الإنسان عند الله ليس بشكل جسمه ولا بلونه ولا بلباسه ولا بجاهه ولا بسلطانه. بل قيمته في إيمانه وتقواه. قال (ص): "رُبَّ أشعث أغبر لو تمنى على الله لأبرَّه". فهل يجوز أن تسخر من رجل أو امرأة لعاهة في بدنه أو آفة في خلقته لا يد له فيها. ومن أي شيء تسخر والله هو الخالق وهو الرزاق. ولو شاء لجعلك مكان من تسخر منه. وثاني هذه المحرمات هو اللمز ومعناه. الوخز والطعن فكأن من يعيب النّاس إنما يوجه إليهم وخزة بسيف أو طعنة برمح بل ربّما كانت وخزة اللسان أشد وأنكى من وخزة السيف. (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ)، أي لا يلمز بعضكم بعضاً. والقرآن يعبّر عن جماعة المؤمنين كأنّهم نفس واحدة لأنّهم جميعاً متعاونون متكافلون فمن لمز أخاه فإنما يلمز نفسه في الحقيقة لأنّه منه وله. ولا ينبغي لإنسان أن يسوء أخاه فيناديه بلقب يكرهه ويتأذى منه. فهذا عدوان على الأخوة ومنافاة للأدب والذوق الرفيع.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 211
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 عظمة حقّ المؤمن على أخيه
 الأخوة وواجباتها
 الأخوة في الله
 دور الأسرة في التقريب بين الأبناء
 الإخوة الدينية
 ثمار الأخوة في الله
 التكافل الاجتماعي وحقيقة الإيمان
 الأخوة في القرآن الكريم
 «الإسلام» دين الأخوّة
 الأخوّة والاختلاف

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا