الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
العلمانية في الطريق إلى بغداد

2017/08/23 | الکاتب : د. سعدي الإبراهيم


من حسن حظ العراقيين أنّ التيار العلماني يتصاعد في بلادهم، فهو مثل الحزب الشيوعي، لن يتولى السلطة، لكنه سيصهر السنة والشيعة في بوتقة واحدة

لم يكن الإسلام السياسي موجوداً في العراق بشكل حقيقي في الفترة التي سبقت خمسينيات القرن الماضي، لكنه تبلور وظهر على الساحة لأسباب متعددة، لعلّ من أبرزها سعي المسلمين في العراق للوقوف بوجه المد الشيوعي الذي استفحل في البلاد فور وصول العسكر إلى السلطة عام 1958، وتبوأ (عبدالكريم قاسم) رئاسة الوزراء، فالرجل وإن لم يثبت انتماءه للتيار الشيوعي، لكن الذي ثبت هو علاقته الوطيدة معه، تلك العلاقة التي انعكست على كلّ مجالات الحياة في البلاد.

ما يهمنا في الأمر ليس علاقة قاسم بالشيوعيين، بل إنّ ما يهمنا هو أنّ الإسلام السياسي الذي ظهر في تلك الفترة لم يكن يعير انتباه إلى أي شيء، سوى تحجيم الشيوعية ومنع تمددها وانتشارها في العراق، ولم يسجل التاريخ إن حدثت خلافات مذهبية سنية–شيعية، لكن على العكس كان السنة والشيعة متحدون في خندق واحد لمواجهة خصمهم العنيد في تلك المرحلة.

بعد عام 2003، انعكست الآية، أصبح الشيوعيون خارج السلطة، وأصبح الإسلام السياسي يقود البلاد منذ عام 2003، لكن الاختلاف بين الإسلام السياسي في خمسينيات القرن الماضي وهذه المرحلة، إنّ الإسلام السياسي اليوم قد ينشطر إلى نصفين: الإسلام السياسي الذي يمثّل السنة، والإسلام السياسي الذي يمثّل الشيعة، وهذه الفرقة قد أضرت كثيراً بالبلاد وانعكست سلباً على الهوية الوطنية العراقية، كون السلطة السياسية هي السلطة الأُم في البلاد، وعندما يكون فيها تصدع فسرعان ما تنتقل العدوى إلى المجتمع.

إنّ عجز الحزب الشيوعي عن أن يعود إلى سابق قوته بسبب المتغيرات الداخلية والخارجية، لا يعني بأنّ الأجواء ستكون صحوة في المستقبل بالنسبة للإسلام السياسي، خاصّة وإنّ العراق اليوم يشهد ولادة تيار ثالث غير التيار السني والشيعي، هو التيار العلماني الذي يلف حوله ثلة من الشباب الناقمين على الأوضاع التي تعيشها البلاد، ويسعون أن يطرحوا أنفسهم بقوّة كبديل عن التيار الإسلامي.

إنّ هذا التيار الثالث إذا ما قيض له أن يظهر بشكل كامل، فإنّ انعكاساته على مستقبل العراق ستكون إيجابية، والأسباب التي تؤيد هذا الرأي كثيرة، ولعلّ من بينها الآتي:

أوّلاً – يوحّد القوى السياسية السنية والشيعية: ربما إنّ القوى السياسية الشيعية والسنية، ستجد أنّ المصلحة العليا لكلاهما تقتضي بأن ينصهران في جبهة واحدة، بغية مواجهة الخصم السياسي الجديد. وعندها سيصبح العراق أكثر استقراراً.

ثانياً – النقد المتبادل: من المتعارف عليه في الدول المتقدمة، وبالأخص بريطانيا التي هي مهد النظام البرلماني، إنّ النقد يعدّ من أهم وسائل الارتقاء بالأداء وتطويره، إلى الدرجة التي تشكّل فيها حكومتان مع كلّ دورة انتخابية، الأولى تمارس الحكم والأخرى تمارس النقد، وتسمى الأخيرة بحكومة الظل، التي تنتظر الوقت المناسب كي تستلم السلطة، وتمارس الثانية دور المعارضة.

إنّ وجود تيار علماني في البلاد سيكون مناسباً لنقد الأداء السياسي للتيار الإسلامي، والعكس صحيح أيضاً، وقد تصل الأمور إلى حدِّ التعاقب على ممارسة السلطة، بحيث يختار الشعب أي من التيارين أكثر كفاءة من غيره.

ثالثاً – يقلل من التدخل الدولي: عندما يتوحّد التيار الإسلامي، السني والشيعي، للتصدي للتيار العلماني، فلن يعود بإمكان البعض من الدول المجاورة أن تتدخل تحت ذريعة حماية هذا المذهب أو ذاك، كما إنّ التيار العلماني هو الآخر ليس له أنصار كثيرون في المنطقة، بمعنى أنّه لن يحظى بدعم كبير من أي دولة، غير دعم الشعب العراقي، وبالتالي ستتوفر للبلاد فرصة جيِّدة للتخلص من التدخلات الأقليمية.

رابعاً – يساعد على ولادة نُخب سياسية جديدة: إنّ ظهور التيار العلماني، سيساهم في خلق نُخب سياسية جديدة، قد تكون أكثر كفاءة من النُّخب السياسية الحاكمة، هذه النُّخب ستخرج من رحم ظروف العراق الحالية، وبالتالي ستكون برامجها أكثر تماساً بحياة المواطن ومعاناته.

فضلاً عن ذلك فإنّ احتدام التنافس الإسلامي مع التيار العلماني، سيضطر التيار الإسلامي، إلى أن يجدد هو الآخر نُخبه السياسية كي تكون بحجم الخصم الجديد.

خامساً – كسب ثقة الدول المتقدمة: تشكك الكثير من الدول المتقدمة، بالعملية السياسية في العراق، وتعتبرها بعيدة عن الديمقراطية الحقيقية، كونها لم تشهد صعود تيار علماني إلى السلطة التي بقيت منذ عام 2003، تدار من قبل قوى سياسية معينة هي القوى الإسلامية، إمّا في حالة تفعيل دور التيار العلماني، وتمكّنه من كسب مكانة مهمّة في الحكومة القادمة، فإنّه سيثبت للعالم بأنّ العراق فيه انتخابات حقيقية تسمح لكلّ مَن يختاره الشعب في الانتخابات أن يقود البلاد أو يشارك مشاركة فعلية في ذلك.

إلّا أنّ هذه الإيجابيات، لن تتحقق مالم يلتزم التيار العلماني بجملة من الشروط، التي تجعله تياراً مقبولاً وسط طبيعة المجتمع العراقي الإسلامية، ومن بين تلك الشروط الآتي:

أوّلاً – احترام هوية العراق الإسلامية: أي أن لا يذهب التيار العلماني بعيداً في طروحاته، وأن لا يمس الدين الإسلامي، أو رموزه وشعائره، بأي خدش سواء بالكتابات أو الكلام أو أي وسيلة أخرى.

ثانياً - أن يُعرّف نفسه جيِّداً: أن يكون له واجهة حقيقية على أرض الواقع، لها شخوصها ومكاتبها، التي ترتبط مع بقية القوى السياسية العراقية وبالأخص الإسلامية بروابط وطنية واضحة. وأن يطرح برامجه بشكل علني وصريح، ويقبل النقد الموجه إليه، ويترك أي نقطة تمس عادات وقيم المجتمع العراقي بسوء.

أمّا فيما يخص الحكومة العراقية، فهي الأخرى مطالبة بعدة خطوات، ومنها الآتي:

أوّلاً – كسب التيار العلماني لصالح العراق: قبل أن يذهب هذا التيار باتجاهات قد لا تصب في مصلحة العراق، لابدّ للحكومة العراقية من أن تحتضنه، وتحتويه، وتربطه بقوّة مع بقية القوى السياسية في البلاد، وأن تفوت الفرصة على أي جهة تحاول تسييره باتجاه معاكس لمصلحة البلاد.

ثانياً – الصداقة مع التيار الإسلامي: إنّ الاختلاف في التوجهات والأهداف السياسية، لا يعني القطيعة بين التيار العلماني والتيار الإسلامي، بل ينبغي أن تحاول الحكومة أن تقرّب بين الاثنين، بحيث أن يكمل بعضهما الآخر ويستفاد كلّ منهما من وجهة نظر الآخر.

ثالثاً – الثوابت الدستورية والوطنية: الديمقراطية لا تعني الانتقاص من العقيدة، بل إنّ للديمقراطية ثوابت حددها الدستور، لا تسمح للتيار العلماني بأن يتعرّض للتيار الإسلامي، إلّا من حيث أداء الأشخاص، أمّا غير ذلك فإنّه مخالف للدستور ومن الممكن أن تتعامل معه الدولة بقوّة القانون كونه يؤدي إلى الفتنة.

 إذن، إنّ ظهور تيار علماني جديد في البلاد، من الممكن أن يصب في مصلحة العراق، شريطة أن يراعي الطبيعة الإسلامية للمجتمع العراقي، وأن يكون واضحاً في طروحاته وسلوكياته وشخوصه، وعاملاً تحت خيمة الدولة وقوانينها ودستورها النافذ.

 

* باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية 

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 57
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٣                
روابط ذات صلة
 التنمية الاجتماعية في العراق
 العلمانية في الطريق إلى بغداد
 تنافس سياسي واحتدام انتخابي في المشهد السياسي العراقي
 الزيادة السكانية في العراق وعلاقتها بالتنمية
 الاستجواب البرلماني في العراق بين البعد القانوني والهدف السياسي
 أثر البطالة وسببها الرئيس في العراق
 مَن رحب بصهر ترامب حاكماً مدنياً في العراق؟!
 صراع الإرادات قبل الانتخابات في العراق
 الانتخابات في العراق وتداول مواقع النفوذ: رأي ومقترح
 التقارب المصري العراقي، رؤية في نشوء القوى التعديلية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 فوائد زيت السمسم
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا