الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
وحدتنا في قرآننا.. وسُنّة نبينا

2018/01/25 | الکاتب : عمار كاظم


تعتبر الوحدة من العوامل الأساسية الضرورية في عزّة الأُمّة ومنعتها وثباتها أمام أعدائها، فهي شعار من شعارات القرآن الكريم التي يسعى في كثير من آياته للتشديد عليها والدعوة إليها لتكون للمسلمين الغلبة حينما يلتحمون مع عدوهم في صراع. والوحدة التي دعا لها القرآن هي وحدة قائمة على المحبة والمودة والتآلف والأخلاق والعدالة، ولا يمكن لرابط كالدين أن يبعث على وحدة من هذا القبيل، فالوحدة القائمة على الدين هي وحدة نابعة من القلب، وهي ليست وحدة مصالح ووحدة إرغام، بل هي وحدة نابعة من قلوب واعية مدركة داعية لله تعالى تبتغي رضاه. إنّ المجتمع المتحاب أفراده سيكون من القوة بمكان ليقف في مواجهة شتّى التحدّيات، لأنّ هذه المجموعات ستشيع هذه الروح في أُسرها، وعائلاتها، وجيرانها وأصدقائها من خلال فهمها الصحيح للإسلام. أيضاً تحدّث القرآن الكريم عن الفرقة وآثارها إذ قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال/ 46). وهي دعوة صريحة من الله إلى عباده بالوحدة على أساس التوحيد والنبوة لا الاختلاف في الآراء بمعنى الخلاف الذي يخل بالوحدة لأنّ الخلاف يؤدي إلى التنازع الذي يوهن الإرادة ويذهب المنعة ويدمر القوة ويضعف الأُمّة فيسيطر عليها أعداءها.

لقد نهج القرآن الكريم منهجاً يحقق ذلك الهدف الأسمى ليربط بين المسلمين برباط الألفة ويقوي بينهم علاقة الود والصفاء فدعا المسلمين إلى الوحدة والتماسك والتآلف ونبذ روح الفرقة والاختلاف فقال عزّوجلّ: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) (آل عمران/ 103). هذا نداء موجّه إلى المسلمين لكي يعتصموا بحبل الله جميعاً ويكونوا صفاً واحداً في وجه أعدائهم، إذا كان الإسلام يحضنا على الحوار والتفاهم والتعاون والاحترام والدفع بالتي هي أحسن مع غير المسلمين، فمن البديهي أنّه يحضنا بل يأمرنا بالحوار والتفاهم والاحترام والتعاون والدفع بالتي هي أحسن فيما بيننا! لن يأتي ذلك اليوم الذي يتفق فيه المسلمون على مدرسة فكرية أو فقهية أو سياسية واحدة، ولكن من الممكن أن يأتي ذلك اليوم الذي يتعاون فيه المسلمون فيها بينهم على اختلاف مذاهبهم ومدارسهم واجتهاداتهم، وذلك عندما يدركون أنّه من الممكن أن يظلوا مختلفين، وأن يتعاونوا على الرغم من اختلافاتهم.

إنّ الحال التي آل إليها العالم اليوم وصفها الله تعالى في كتابه العزيز عندما نبأنا عن الفتنة والفساد والاضطراب الذي سيحل بالأرض عندما يوالي الكافرون بعضهم بعضاً، ويتقنون فن الاختلاف البناء، ولا يفعل المؤمنون ذلك فيما بينهم (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) (الأنفال/ 73).

عندما يتعلّم المسلمون كيف ينصت بعضهم إلى بعض إذا اختلفوا، وكيف يتجنبون الحكم على النيات، وكيف يتعاملون بموضوعية مع الأمور التي يختلفون فيها، فلا يعتقد كلّ طرف أنّه يقبض على الحقيقة المطلقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وعندما يتعلّم المسلمون الفرق بين الدين وفهم الدين فلا يسمي كلٌّ منهم فهمه للدين ديناً، فيصبح كلّ مَن خالف هذا الفهم خارجاً عن الدين أو كافراً.. عندما يتعلّم المسلمون كلّ ذلك سيعرفون كيف يحوّلون اختلافاتهم إلى مصدر للغنى والتكامل والتنوع بدلاً من جعلها سبباً للفرقة والتناحر والنزاع.

إنّ المؤمن لا يعرف الانغلاق أو التعصب أو التقوقع، وهو حيثما تحرّك يبحث عن نقاط الاتفاق مع الآخرين فيعززها ويوسعها حتى تحاصر نقاط الاختلاف، المؤمن منفتح على جميع الأشخاص والآراء والحضارات والأديان، وهو يعامل الجميع بإنسانية واحترام وإنصاف، المؤمن متميز بإسلامه ومبادئه وثوابته، لكن هذا التميز لا يدفعه إلى وضع الحواجز بينه وبين الآخرين بل يدفعه إلى مدّ جسور التواصل والتعارف معهم، وهكذا يوصل دعوته إلى الآخرين، ويساهم بدينه في بناء صرح الحضارة الإنسانية.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 235
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 عزّة المؤمن
 الدعم النفسي للمسنّين
 السعي لبناء مجتمع خير وصلاح
 مرحلة الشباب.. فرصة لتهذيب النفس وإصلاحها
 شكر الله تعالى على نِعَمه الدائمة
 إكرام كبار السنّ
 قاعدة الأخلاق السوية
 غزوة حنين ومعاني الثبات والاستقامة
 المودّة والرحمة الأساس في بناء الكيان الأُسري
 البيئة.. رؤية إسلامية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا