الصفحة الرئيسية » إخترنا لكم
الخوف والرجاء

2018/01/26 | الکاتب : عمار كاظم


الخوف من الله عزّوجلّ، لا يعني الهرب منه، بل الهرب إليه، لأنّنا نفرّ من غضب الله وعقابه، إلى رحمته وثوابه، نتقي معاصيه لنجلب مراضيه. الرجاء محمود إلى حدّ، فإن تجاوز إلى الأمن فهو خسران، قال تعالى: (فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف/ 99)، وكذا الخوف، محمود إلى حدّ، فإن جاوز إلى القنوط فهو ضلال، قال تعالى: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ) (الحجر/ 56)، أو إلى اليأس فهو كفر، قال تعالى: (ِإِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) (يوسف/ 87).

عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: كان أبي يقول: «إنّه ليس من عبد مؤمن إلّا وفي قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء، لو وُزِن هذا لم يزد على هذا، ولو وُزِنَ هذا لم يزد على هذا». إنّه (علیه السلام)، يعبّر عن الخوف بالنور، وعن الرجاء أيضاً بالنور، لأنّهما متصلان بالله تعالى وما كان متصلاً بالله لا يكون إلّا نوراً، ولأنّهما من أهم عوامل هداية البشر، وإصلاح ذاته... إنّ الخوف من غير الله لو اعترى النفس أورثها تعتيماً وظلمة؛ ولكنّه لو كان من الله عزّوجلّ استنارت النفس به، وأخذت بالحيطة والحذر، يُضاف إلى ذلك نور الرجاء فتحيى النفس سعيدة راضية هانئة. وعن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) أيضاً، قال: «إذا أراد أحدكم أن لا يسأل الله شيئاً إلّا أعطاه. فليقطع رجاءه من الناس، وليصله به فإذا علم ذلك منه، لم يسأله شيئاً إلّا أعطاه». وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لأصحابه: «إن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من الله، ويحسُنَ ظنّكم به، فاجمعوا بينهما، فإنّما يكون حسن ظنّ العبد بربه على قدر خوفه منه، وإن أحسنَ الناس ظنّاً بالله، أشدهم خوفاً منه...».

إنّ الأمل في عون الله يفتح قلب الإنسان للحياة، ويجعله يحسّ ما فيها من متعة وسعادة، ويدفعه إلى العمل، وإن قامت في وجهه العقاب والمصاعب. وإن رجاء عفو الله ومغفرته من العبد الذي أسرف على نفسه، ليقرّب العبد إلى رحمته وإحسانه، وبذلك يعود خيراً مما كان، وتتفتح أمامه الحياة، ويراها زاهية مشرقة سعيدة، ويرتفع عنه الكابوس الذي ختم على صدره من كثرة ما أذنب وعصى الله، وجعل الدنيا تضيق به على اتساعها.

وفي هذا يقول الله تعالى: (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) (الزمر/ 53)، ويقول: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا) (النساء/ 31)، ويقول: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) (النساء/ 110).

هذه آيات، ومثلها كثير في القرآن، تملؤنا ثقة بعظيم رحمة الله التي وسعت كلّ شيء، وتفتح أبواباً للرجاء في غفران الله ورحمته، متى تاب العاصي وأقلع عما كان عليه، وأناب إلى الله ورجع إليه، وحينئذ لا يحس أنّه منبوذ أو مطرود، ويعود إنساناً آخر قد زال عنه اليأس، وحُبّب إليه العمل. وهذا الرسول الكريم الذي لا ينطق عن الهوى يقول: «سلوا الله الدرجات العلا، فإنّما تسألون كريماً، وإذا سألتم الله فأعظِمُوا الرغبة، واسألوا الفِرْدَوس الأولى فإنّ الله لا يتعاظمه شيء». وهكذا يغرس القرآن الكريم والرسول العظيم في قلوب المؤمنين أفراداً وجماعات، الأمل والرجاء في عون الله ورعايته، وفي إقالة العَثَرات لمن ضلوا عن السبيل، وقارفوا بعض الذنوب، حتى صحت منهم التوبة، ورجعوا إلى الله، فالله تعالى يقول في حديث قدسي رواه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «يابن آدم: إنّك ما دعوتني ورجوتني، غفرت ما كان منك ولا أبالي». ولذلك، لا ينبغي لنا أن نُفرِط في الرجاء وطول الأمل والتمني بغير حقّ، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول في بعض ما روي عنه: «الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت. والعاجز مَن أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني». كما يقول: «إن أشدَّ ما أخاف عليكم خصلتان: اتّباع الهوى، وطول الأمل».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 194
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 التآخي الوطني والتعايش الاجتماعي
 تعالوا ننشر ثقافة المحبّة والسلام
 تقوى القلوب
 الدرجات العليا من الصبر
 العقل.. ميزان اليقين ومصنع السعادة
 المفهوم الإيجابي للهجرة
 الإسلام غايته السلام العالمي
 الإمام الصادق (عليه السلام).. مصدر القيم الإنسانية
 عزّة المؤمن
 الدعم النفسي للمسنّين

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا