الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
بالاتحاد والوحدة... ترتقي الأُمم

2018/04/04 | الکاتب : عمار كاظم


لا يوجد دين كالإسلام يدعو إلى الوحدة والتعاون والتكافل، ويحذّر من الفرقة والخصام والخلاف. يقول تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ» (الحجرات/‏‏ 13).  فالعالم الذي يبشّر به الإسلام هو ذاته العالم الذي تحلم به وتسعى إليه شعوب الأرض اليوم، عالم يسوده التعارف والتعاون والمحبة والسلام، عالم بعيد عن البُغض والكره والظلم والتعصّب والاستغلال والحروب والخلاف والشقاق.

الإسلام يحضنا على الاختلاف البنّاء، ويأمرنا أن نبحث عن المشترك مع الآخر، وأن نوسع دائرة هذا المشترك عن طريق التعاون في الأمور التي نتفق عليها والحوار البناء في الأمور التي نختلف فيها، يقول عزّ وجلّ: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» (آل عمران/‏‏ 65).

إنّ المسلم مأمور بالتعامل بالحسنى وبالحوار وبالكلمة الطيِّبة مع مَن يختلف معه من غير المسلمين، يقول تعالى: «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» (النحل/‏‏ 125). «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ» (فصّلت/‏‏ 34).

إنّ ثقافة الانغلاق وإلغاء الآخر غريبة عن روح الإسلام ومضامينه، فالمسلم «وحيد» أي أنّه متميز بإسلامه، و«رفيق» أي انّه منفتح على الجميع يشدهم بتوهج إيمانه ونور يقينه. إنّ المسلم لا يكتفي بالاستعداد للحوار مع الآخرين، بل هو الذي يسعى إلى هذا الحوار ويهيئ له ظروفه وأسبابه.

لا يمكن لمجتمع أن يكون متحضِّراً «حسب الرؤية القرآنية» إذا لم يكن حريصاً على تجنّب الأخطاء والخطايا حتى لا تقع، وحريصاً على إصلاحها إن هي وقعت. وما من شك في أنّ ذلك يحتاج إلى وازع ودافع، ولن نجد أفضل من مبدأ «التوحيد» لتحقيق هذا الهدف السامي، فإنّ الموحِّد يضع نصب عينيه دائماً وأبداً، رضا ربّه ورضوانه، ولن يستثنى من ذلك سرٌّ ولا علنٌ. الأمر الذي يعني أنّ عليه انتهاج الحقّ قولاً وفعلاً، لأنّ الله تعالى لا يرضى بالباطل قل أو كثر، قال تعالى: «وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ  إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (النحل/‏‏ 89-90). وقال تعالى: «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» (الشورى/‏‏ 42).

وعليه، فإنّ الرؤية التوحيدية ترتقي بصاحبها فرداً ومجتمعاً إلى الحرص الشديد على تنقية الواقع الاجتماعي من أي شائبة تكون سبباً لتخلفه دنيا وآخرةً، وهذا ما لا يرضاه الله تعالى لأنّه لا يريد من عباده الخطأ والخطيئة ولا يرضاهما له، قال تعالى: «إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ» (الزّمر/‏‏ 7).

ومن هنا، جاء التوجيه الإلهي للمؤمنين؛ بدافع توحيدهم له واتباعهم لأوامره، إلى التزام سياسة العمل المشترك كما لو كانوا صفّاً كالبنيان المرصوص، كناية عن مدى حبّهم وإخلاصهم لبعضهم البعض. وقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ» (الصف/‏‏ 4). وهكذا يعمل التوحيد كقيمة كلّية والجهاد كقيمة متفرعة عنه على بناء مجتمع راشد وحضارة إنسانية تقف على قاعدة التكاتف الاجتماعي خصوصاً في الشدائد والمحن. وهكذا يعمل توحيدُ الله تعالى على صنع جيل من الناس يحرصون على النأي بأنفسهم عن كلّ ظلم وفساد وإفساد، لتتحقق الحضارة التوحيدية العادلة والرخاء والسعادة الدنيوية تمهيداً للرضا والرضوان في الآخرة.

وفي هذا السياق، نبذت هذه الرؤية كل أشكال العدوان والظلم، والتفرقة والاختلاف وحثت على الوحدة والاتحاد، والقرآن الكريم يقرّر ذلك في آيات عديدة، منها قوله عزّ وجلّ: «وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ   وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ  وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ» (آل عمران/‏‏ 103-105).

وقوله تعالى: «وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ» (الأنفال/‏‏ 46). وقوله: «إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ» (الأنعام/‏‏ 159).

ولا شكّ أنّ الاختلاف حقيقة واقعة لا يمكن نفيها، ولا يصحّ إنكارها، ولذا وضع الإسلام أصلاً في طريقة التعامل مع الاختلاف، وهو أصل الوحدة، من أجل تثبيت منهجية علمية في طريق التعامل مع الأشياء والحوادث الواقعة، وعلى الامتداد أُسس وقواعد تنظيم فقهية لتكريس التعايش الفقهي والاجتماعي والتربوي بين المسلمين، ولا شك أنّ التعايش الفقهي أحد الضرورات للحياة الاجتماعية المرفهة.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 198
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 عزّة المؤمن
 الدعم النفسي للمسنّين
 السعي لبناء مجتمع خير وصلاح
 مرحلة الشباب.. فرصة لتهذيب النفس وإصلاحها
 شكر الله تعالى على نِعَمه الدائمة
 إكرام كبار السنّ
 قاعدة الأخلاق السوية
 غزوة حنين ومعاني الثبات والاستقامة
 المودّة والرحمة الأساس في بناء الكيان الأُسري
 البيئة.. رؤية إسلامية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا