الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
الغزو الثقافي لوسائل التواصل الاجتماعي

2018/04/09 | الکاتب : عمار كاظم


يطرح بعض المربّين من الآباء والأُمّهات وحتى بعض العاملين الإسلاميين مخاوف تبدو مشروعة من الاستخدام غير الواعي لجهاز الكمبيوتر عموماً، ولمواقع التواصل الاجتماعي خصوصاً.

كتاب الله المجيد، يجيب على هذا السؤال الحائر والباعث على القلق، فحينما نقرأ قوله تعالى:  (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات/ 13)، نقرّ عيناً أنّ الله تعالى (العليم الخبير) لم يرد لأُمّة من الأُمم أو شعباً من الشعوب أن يعيش في (جزيرة معزولة) عن محيطه الإنساني العام، ولا أن ينكفأ في مقاطعات منقطعة عن المجرى البشري المتلاحم، ولم يرد للحدود الجغرافية (الطبيعية) أن تكون حدوداً حديدية لا يمكن كسرها، بل دعا في قبال (التعدّد) و(التنوّع) في الشعوب والقبائل إلى (التعارف) و(التعاون) و(التكامل) و(التبادل)، فهو تعارف على مستوى التبادل والتلاقح المعرفي أوّلاً وقبل كلّ شيء، لعلم الله تعالى انّ ما لدى أُمّة ليس بالضرورة هو نفسه ما لدى أُمّة أخرى، وحتى تنتعش حقول المعرفة، كان لابدّ من الانفتاح المعرفي والثقافي والتواصل الاجتماعي والإنساني بين أُمم الأرض كلّها. هذه المساحة الواسعة في القرآن من قصص الأُمم الماضية التي لا يريد لها القرآن أن تكون (تأريخاً) يُقرأ، بل يريد لها أن تكون واقعاً يُعاش، وفي قصة (الإسراء) و(المعراج) درس آخر في الانفتاح المعرفي على كلّ الأنبياء السابقين، وعلى عوالم غيبية غير الأرضية المنظورة.

السيرة النبوية المطهّرة نهجت المنهج ذاته، فلم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) غافلاً عن المخاطر الثقافية أو الدينية التي يمكن أن تنجم عن الانفتاح الثقافي أو المعرفي أو العلمي على الأُمم غير الإسلامية كـ(الصين) عندما دعا إلى طلب العلم ولو في الصين. أما كان يخشى على أبناء دينه من أن ينحرفوا عن دينهم، أو يفقدوا أصالتهم، أو تُستلب هُويّتهم؟

من هنا، فإنّ الحديث عن (الغزو الثقافي) حديث خارج عن سياق التعارف الثقافي والتبادل المعرفي، فكما أنّ من حقّ الآخر أن يطرح بضاعته الثقافية وينشرها ويسوّقها بأجمل أسلوب للعرض والترغيب وكسب المؤيدين والأنصار، فإنّ لي الحقّ نفسه، أي أنّ الشكوى يجب أن لا تتجه إلى كيفية وقف الزحف الفكري القادم من الغرب أو الشمال، بقدر ما يتوجه إلى كيفية الصيانة والتصدّي والتحدّي بثقافتنا الإسلامية التي تمتلك مقومات المقاومة وإثبات الذات، بحيث يكون لها موقعها الرائد والمميّز الذي لا تزلزله العواصف الفكرية ولا تنحت فيه الرياح الثقافية من أي جهةٍ جاءت.

أين المشكلة إذاً؟ المشكلة في (الحجر الأساس) أو البنية الثقافية التحتية التي يقوم عليها بناء الشخصية الإسلامية، فنحن نخاف أو نتخوف من انحراف أبنائنا لأنّنا لم نحصّنهم بثقافة الإسلام بشكل سليم، وإلّا فلو تسلّح الشاب المسلم أو الفتاة المسلمة بثقافة إسلامهما الصالحة، فإنّها ستتيح لهما المقارنة والمفاضلة والترجيح والنقد والأخذ والردّ.. لكنّنا نسلّم أنّ الكثير من الأُسر المسلمة اليوم تهمل هذا الجانب الحيوي من حياة أبنائها وبناتها، أو توكله إلى مؤسسات أخرى.

ما هو الحل؟ الحلّ الوحيد (ربّما تكون هناك حلول أو بدائل أخرى، لكنّها إمّا أن تنتمي إلى هذا الحلّ أو تتفرع عنه، أو أنّها أقلّ أهمية منه) هو أن تكون الرقابة الذاتية أو الداخلية عند المستخدم أقوى من غيرها من الرقابات. فنحن كمستخدمين لمواقع التواصل بصفة خاصة، والمواقع الإلكترونية الأخرى بصفة عامة، بعد أن ضيّقت هذه الوسائل سُبُل الرقابة وأنماطها التقليدية، لابدّ أن نكون أكثر وعياً لمخاطرها وأكثر يقظةً وحذراً وأشدّ حرصاً وحساسيةً، وأقدر على حماية أنفسنا بأنفسنا.

أخيراً: ماذا يمكن أن نكسب بأجهزة التواصل؟

1 - يمكن توظيف قنوات التواصل الاجتماعي في الأعمال التطوعية والخيرية والإحسانية، خاصة إذا اعتمدنا قاعدة (وتواصوا بالحقّ وتواصوا بالصّبر) وقاعدة (وتواصوا بالمرحمة).

2 - يمكن أن نعطي لتقسيم الوقت صيغة أخرى، وهي أن نقسّم وقت تصفّح المواقع، والتواصل الاجتماعي، إلى أوقات للثقافة وتنمية الشخصية، ووقت للتواصل الاجتماعي، ووقت للتزوّد الروحي، ووقت للبحث عن أجوبة لمسائل تشغل البال، ووقت للترويح.

3 - يمكن أن نتعرف على تجارب وأخلاق الشعوب وأساليب عملهم وسلوكياتهم الاجتماعية عن طريق التعليم أو الاكتساب الذاتي، وأن نلتقط الإيجابي ونشيعه ونثقّف عليه، ونطرد السلبي ونحذّر منه.

4 - يمكن أن نمارس الدعوة إلى الله تعالى بقدر ما نمتلك من ثقافة علمية وعملية تؤهلنا لنشر رسالة الصلاح بين الآخرين، سواء بتصحيح المفاهيم الخاطئة المغلوطة، أو بثّ المفاهيم والقيم الحية، أو الإرشاد إلى مواقع ينتفع بها المتصفّح أو المستخدم فينالنا بذلك أجر الدلالة على الخير.

5 - لابدّ أن يكون للشبان والشابات آراؤهم السياسية الناتجة عن متابعات سياسية لما يجري في أوطانهم أو في بلدان العالم الإسلامي، بل في العالم أجمع، يراقبون ويتابعون ويحللون، ويطالبون بمسائلة المقصّرين، ومحاسبة الفاسدين، وينتقدون بموضوعية، ويتواصلون للدفاع عن حقوق الإنسان أينما كان.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 221
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٤                
روابط ذات صلة
 عزّة المؤمن
 الدعم النفسي للمسنّين
 السعي لبناء مجتمع خير وصلاح
 مرحلة الشباب.. فرصة لتهذيب النفس وإصلاحها
 شكر الله تعالى على نِعَمه الدائمة
 إكرام كبار السنّ
 قاعدة الأخلاق السوية
 غزوة حنين ومعاني الثبات والاستقامة
 المودّة والرحمة الأساس في بناء الكيان الأُسري
 البيئة.. رؤية إسلامية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا