الصفحة الرئيسية » إخترنا لكم
المبعث النبويّ.. حركة عملية لإصلاح المجتمع

2018/04/15 | الکاتب : عمار كاظم


إنّ يوم البعثة هو أعظم يوم في تاريخ البشرية، حيث ولادة أبرز وأشرف المفاهيم والقيم، لقد كانت بعثة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حركة عملية لإيصال البشرية إلى الكمال الفردي والروحي والمعنوي من جهة، ورقي الحياة الاجتماعية وإصلاح المجتمعات من جهة أخرى.

كان القرآن الكريم أفضل مصدر للسّيرة النبويّة، في إطاريها العام والخاص، فقد حدّثنا القرآن عن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في حياته الشريفة قبل البعثة، فقال تعالى: (مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ) (الشورى/ 52)، وحدّثنا عن خُلُقه فقال تعالـى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم/ 4)، وحدّثنا عن هذا القلب اللّيِّن الذي كان يمتلئ بالحبّ للناس وبالانفتاح عليهم، وعن هذا اللسان الرقيق الذي ينساب عذوبةً وهو يدخل مشاعر الناس فيجتذبها إليه، فقال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران/ 159). وهكذا كان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد كان الإنسان الذي عاش إنسانيته في إنسانية المؤمنين من حوله، يُعطيهم من إنسانيته بما يفتح إنسانيتهم على حركة الرسالة ويجعلهم في رحاب الله، ليرقى بهم إلى الله.

وهذا هو سرُّ قوله تعالى: (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة/ 128)، فإذا كانت (مِّنْ أَنفُسِكُمْ) تُعطي معنى المجتمع الذي ينتمي إليه، فإنّ إيحاءات هذه الكلمة تعني أنّه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي احتوى مشاعرهم، فكان جزءاً من هذه المشاعر، واحتوى نبضات قلوبهم، وكان جزءاً من هذه القلوب، فدخل في جملة آلامهم وأحلامهم، فهو في العمق من أنفسهم، فكأنّهم يتمثّلونه في أنفسهم كما يتمثّل الكلّ الجزء، (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ) يُتابعهم في متاعبهم وفي جهدهم، في المشقَّات التي يواجهونها، فهو ليس مجرَّد قائدٍ يُشرف على أتباعه من فوق، وإنّما كان يُلاحقهم في كلِّ معاناتهم، في داخل بيوتهم، وفي كلِّ أوضاعهم، وبكلِّ ما يتّصل بأُمورهم، فقد كانت مشاعره تذوب في مشاعرهم، وكانت اهتماماته تندمج باهتماماتهم، ولذلك، كان يعزّ عليه ما يشقّ عليهم، (حَرِيصٌ عَلَيْكُم) يحرص عليكم، فهو يجمعكم إليه حتى لا تضيعوا أو تتيهوا في متاهات الباطل، أو في متاهات الضلال، حريص عليكم حرص الأُمّ التي تحضن أولادها، لأنّكم أبناؤه في الروح، وإن كنتم بعيدين عنه في الانتماء القبلي (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ الله وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) (الأحزاب/ 40)، فانتماؤكم إليه انتماء روحي، وليس انتماء النسب، وهو أرفع وأرقى من كلِّ انتسابٍ وانتماء.

والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يُخاطب الناس: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟»، فهو أولى بالإنسان من نفسه، ثمّ يقول (صلى الله عليه وآله وسلم): «مَن كنتُ مولاه فهذا عـليٌّ مولاه» بمعنى من كنتُ أولى به من نفسه، فعليٌّ أولى به من نفسه. (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) فهو لا يعنف بهم ولا يقسو عليهم، إنّها قيادة تتصلَّب في التركيز على الخطّ بكلِّ قوّةٍ وحزم، ولكنّه حزم في غير عنف، ولين في غير ضعـف، (رَّحِيمٌ) بالناس، يرحم ظروفهم، يرحم ذهنيَّتهم، ولهذا كان يُخاطبهم على قدر عقولهم، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنَّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُكلّم الناس على قدر عقولهم»، وقد ورد في الحديث عن سيرته (صلى الله عليه وآله وسلم): «ما كلّم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) العباد بكنه عقله قطّ»، لأنّه كان يتكلّم بحقيقة عقول الناس، لأنّ الكلمة هنا هي الرسالة، وإذا كانت كذلك، فلابدّ من أن تأخذ طريقها إلى العقل والقلب والإحساس والشعور بما يعين على ذلك، من مُداعبة القلب ومحاججة العقل.

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 274
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 المواقف الصلبة في حياة الإمام السجّاد (عليه السلام)
 طُرُق تهذيب النفس
 العمل التطوعي والشعور بالمسؤولية
 الحاجة الدائمة للسلام
 المنظومة القيمية في النهضة الحسينية
 ثقافة السلام
 الإمام السّجاد (عليه السلام) ومنهج الدُّعاء
 أقوال في الإمام الحسين (علية السلام) من علماء ومفكرين إسلاميين ومسيحيين وغيرهم
 الإمام الحسين (عليه السلام).. مدرسة في توحيد الشعوب
 الوصيّة الأخيرة للإمام الحسين (عليه السلام)

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا