الصفحة الرئيسية » مشاركات القراء
السمو الروحي للدعاء

2018/04/27 | الکاتب : عمار كاظم


الدعاء من مستلزمات العبادة إذ هو الصلة التي تربط بين الإنسان وخالقه. والدعاء فطري في الإنسان فهو يشعر بحنين إلى الله يفزع إليه عند الشدائد، ويتضرع إليه في كشف السوء عنه، فهو ضعيف أمام أحداث الحياة لا يجد سنداً لضعفه غير الدعاء، لذلك أمر الله المؤمنين بالدعاء بقوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غافر/ 60). ففي هذه الآية وصف الله الدعاء بأنّه عبادة يستحق من يستكبر عنها غضب الله. وقال تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة/ 186).

والدعاء الذي يطلبه الإسلام هو أن يكون في السراء كما يكون في الضراء، لأنّ ذلك أدعى للإنسان أن يكون على الدوام متذكراً ربّه، مستجيباً لأوامره؛ محقّقاً معنى العبودية له، فإنّ الإنسان بطبيعته يلجأ إلى ربّه عند الشدة ولكن ما أن يكشف الله عنه ما به من ضر حتى ينسى الله ويغيّر بقوّته فيؤدي به إلى الإعراض عن أوامر الله والإفساد في الأرض. وقد وصف الله هذه الحالات التي تنتاب كثيراً من الناس ليحذّر المؤمنين من الوقوع في الجحود والنكران له. قال سبحانه: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ) (فصّلت/ 51). وقال أيضاً: (وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (يونس/ 12).

وقال سبحانه ممتناً على بعض خلقه الذين يتعرضون لخطر الغرق ثمّ ينجيهم من فضله: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (يونس/ 22-23).

لهذا يجمل بالإنسان أن لا يعصي الله بعد أن أنقذه من الهلاك، بل ينبغي أن يجعل من ذلك الخطر الذي وقع فيه حافزاً دائماً لعبادة الله وطاعته. وقد شرّع الإسلام الدعاء أيضاً الروحي والترفع عن شهوات الجسد الضارة والعروج به في معارج الكمالات، بجانب ما يطلبه الداعي من فضل الله وتسير أموره وكشف الضر عنه، ولهذا يعلم الله المؤمنين كيف يدعونه بما ذكره على لسان أنبيائه والصالحين. قال تعالى: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ) (إبراهيم/ 40). وقال أيضاً: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) (الأحقاف/ 15). (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران/ 8). (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (البقرة/ 286).

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإيمان عمل كلّه»، وفي المناجاة الشعبانية: «اللّهمّ اجعلني ممّن ناديته فأجابك، ولاحظته فصعق لجلالك، فناجيته سراً وعمل لك جهراً».

فكلّ ما يحتاجه الإنسان، ليكون صاحب دعوة مستجابة هو أن يكون عبداً مكتمل العبودية، ولهذا قيل: «الدعاء مخ العبادة».

 
 
 أضف إلی :
 أرسل إلي صديق  |  نسخة للطباعة  |  حفظ
 عدد الزيارات : 378
 قيّم هذا المقال
  
النتيجة : ٥                
روابط ذات صلة
 ابتسم وتسامح
 خطّ العبودية والإخلاص لله وحده
 الإمام عليّ (عليه السلام) ومعاني المسؤولية
 العمل التطوعي وبناء الجيل الشاب
 السلام المجتمعي
 في ذكرى حرق المسجد الأقصى
 الصلاة.. طريق الإيمان والاطمئنان
 منهج المباهلة في إدارة الصراعات
 عيد الأضحى.. زخم وحدوي وبُعد عالمي
 عيد الغدير امتداد للرسالة الإسلامية

الاکثر قراءة
 5 مفاتيح لإكتساب الثقة بالنفس
 نسيان الحب.. هل هو ممكن؟
 التهاب كعب القدم.. أسبابه وطرق علاجه
 لغة الجسد تجعل أحاسيسك مكشوفة
 أحماض أوميغا- 3 حليفتنا ضد الوزن الزائد
 فنون الكلام المؤثر ومهاراته
 هدايا الأطفال.. كيف نختارها؟
 تلوث البيئة.. مشكلة تبحث عن حلول
 فوائد زيت السمسم
 قواعد التعامل مع زملاء العمل
 
الاکثر تعلیقا